النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

     

    "الخبز" بين خميرة الفن وشحّ الواقع في معرض قاهري

    إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!










    - الشعب جائع وليس ثمة خبز!
    - ولِمَ لا يأكل البسكويت؟
    إنها الجملة الشهيرة التي قالتها الملكة ماري أنطوانيت. هل نتمثلها خارجة من فم زوجة رئيس عربي يتضور شعبه جوعاً اليوم، وقد تُلُفِّظ بما يقاربها سخرية: ألا يحمدون الله على أننا نحكمهم؟! وكأن الحاكم وأسرته هبطوا من السماء بأجنحة ولم يتدحرجوا الى الدنيا من صلب الشعب!
    لا علاقة مباشرة بين هذه السطور أعلاه التي لم أستطع حذفها، وبين ما اكتب عنه هنا وهو معرض فني، الخبزُ عنوانه وموضوعه، إذ في الأخير يبقى الواقع الاجتماعي السياسي واقعاً اجتماعياً سياسياً، والفني فنياً، على رغم الخيوط الدقيقة التي تربط الفني بالواقع، حيث يلتمع فيها ما يبثه الفنان من لسعات روحه الجمالية. في هذا المعرض الذي افتتح السبت، 10 تشرين الأول ويستمر الى 7 تشرين الثاني، في قاعة "درب 17 – 18"، المركز الثقافي الذي أنشأه ويديره الفنان معتز نصر الدين، والذي دخل نشاطه الفني عامَه الثاني، مولياً وجهه قِبَلَ المعاصر، بحراكه وتعددية ميدياه، يقدم اثنا عشر فناناً اثنتي عشرة رؤية منسولة من عجين فكرة الخبز. الخبز علف يومي لمليارات البشر، يخرج من الأرض، يدخل الجسم، تُمتَصّ عصارته وتخرج فضلاته سماداً إلى الأرض، في دروة لن تنتهي الا بتوقف الأرض عن دورانها أو بانقراض البشر. الخبز، معنىً، يحيل على الأرض، العرَق، الدم، التنفس، الروح، الحياة؛ ومن منظار أسود، الخبز يعني الجوع، الفقر، التقشف، الاستغلال. كما أنه يمكن أن يكون واجهة الشعوب: الباغيت في فرنسا، الشاباتي في الهند، والرغيف البلدي في مصر. شخصياً، في زياراتي لبلدي الحبيب، لم أشعر مرة أنني وصلت إلى مصر إلا بعد أن تقع عيني على الرغيف البلدي الذي يختصر شكلُه ورائحته تاريخ هذا البلد وحاضره.
    قبل ستين عاما، رسم الفنان المصري الذي رحل في شبابه، عبد الهادي الجزار، لوحة زيتية متوسطة الحجم، مستطيلة، يصطف فيها تسعة أشخاص، هم غاية في البؤس والجوع والتشرد، أمام كل منهم، على الأرض، صحن معدني فارغ يحيل على الشحاذة إن لم يكن هو الشحاذة. لوحة تحمل عنوان "الكورَس الشعبي"، وبسببها سُجن الجزار لتصويره الواقع الذي جرح عين الملك. في معرضنا هذا، تناول كاتب هذه السطور شخوصَ لوحة الجزار ورسمهم بالفحم على حائط كبير (أربعة أمتار في ارتفاع متر ونصف المتر)، متخلصاً من اللون والبعد الثالث والصحون والتفاصيل الزائدة على حاجة تجهيزٍ فراغي، وفرش أمامهم مستطيلاً كبيراً من بقايا الخبز القديم المتعفن، فانبجست في المكان طاقة تعبيرية مصدرها التفاعل الحدسي بين عنصري الإنستليشن: الرسم بالأسود على الحائط (المريد)، والخبز على الأرض (الشيء المراد). هذان العنصران مفصولان أحدهما عن الآخر بحكم الخامة والتنفيذ: أشباح على الحائط، وخبز على الأرض. المسافة بينهما وهمية في حيز العمل، لكنها واقعية في حيز الواقع. لماذا تناولتُ بؤساء لوحة الجزار ولم أرسم شخوصاً من واقع الحاضر؟ الجواب: رسم الجزار لوحته عام 1948، أي في نهايات الحكم الملكي الاستبدادي، وحين أتواصل اليوم مع عمل لفنان أصيل انشغل بالحياة الشعبية مثل الجزار، فكأن هسيس سؤال يتسرب من التواصل والتناول الفني المعاصر: ما الذي تغير في منظر الكورس الشعبي بعد كل هذه السنوات؟ لن يبالغ من يقول إن المنظر ازداد شناعة وبؤساً، حاسباً استفحال الظلامية والشعوذة والارتداد المريع إلى الايمان بالخرافة وكل ألوان الدجل. النتيجة حاصلة: الوقوف في طابور الخبز لم يعد مجرد انتظار في الوقت، بل قتال يسقط فيه الأكثر هزالاً. هذا ما حدا بأيمن السمري إلى أن يكتب في واحدة من لوحاته الثلاث المتوسطة الحجم، بأحرف متقطعة: "إلى أول شهيد سقط في طابور الخبز. حدث هذا في أرض مصر"، إحالةً على من سقطوا إعياءً أو عراكاً في أزمة الخبز التي عصفت بالشعب قبل أقل من عام في 2008 . كعادته استخدم السمري الكتابة عنصراً بصرياً إلى جانب أشكاله الخطية التي يستلهمها من ظله، هو نفسه، أو تفصيلة منه، كشكل يد أو ذراع، معكوساً على السطح الذي يعمل عليه والذي يتمثّل طلاء جدران البيوت الخارجية لأهل الريف، في مساحتين مجردتين بملمس لوني كأنه الجير.
    مِن تمثّلِ طلاء الجدران في السطح، إلى تمثل الرغيف في الحجر، قدّم ناثان دوس خمسة أرغفة من حجر الكوارتز، تكاد العين، لولا الحجم المضاعف أربع مرات، لا تفرّق بينه وبين صورة الرغيف البلدي، بكل ما فيه من بقع وحروق وانبعاجات وتضاريس. الاهتزاز الفني في هذا العمل يأتي من المفارقة بين طراوة الرغيف في الواقع - على رغم أنه عرضة للجفاف - وبين صلابة الحجر وصلادته، ناهيك بمفارقة وزن كليهما. قريبا من هذا الحس، وعلى رغم اختلاف الوسيط، صوّر محمد خليفة الرغيف فوتوغرافياً بحجم كبير، وباستخدام الفوتوشوب، قام بالعمل على البقع المحروقة على السطح جاعلاً منها ما يشبه القارة الافريقية، في إحالة بليغة على جوع هذه القارة، واحتراقها، بكلمة واحدة.
    في خمس لوحات ثنائية، متوسطة الحجم، وسبع لوحات صغيرة، أرجعت ياسمين سليمان الخبز إلى عنصره الأوّلي: استخدمت القمح ونخالتة (الرَّدَّة)، خامةً على قماش لوحاتها، في تشكيلات عمودية غالباً، وأفقية أحياناً، بين الهندسي الذي يحيل على الثابت في الموضوع وهو الاستهلاك، والحسّ العفوي الذي يكاد يكون عضوياً ويحيل على الطبيعة والأرض. بين ذهبي التفتّح وأسود الاحتراق. تمنيت لو أنها أحرقت القمح في المساحات السوداء بدلا من طلائه بالدهان!
    بلونٍ يشبه نخالة القمح وملمسه، نفّذ هشام الزيني لوحتين من الكولاج، متوسطتي الحجم، احداهما مدوّرة والأخرى مربّعة تتوسّطها دائرة تشبه الرغيف شكلاً وحجماً. وعلى رغم أنه يمكن أن يُنظر إليهما، في سياق عرض آخر، كعملين تجريديين مشبّعين بحسٍّ زخرفي شعبي، إلا أنهما، في هذا السياق، يستقطبان الذهن في دائرة موضوع المعرض، بتعبير ناجح وحسّ رقيق.
    بعدسة زووم غير مركزية، أي شبه مهزوزة، صوّرت شيماء عزيز، سطح الخبز ولبابته الداخلية في اثنتي عشرة صورة أصغر من المتوسط، ثم رسمت، بالرمادي، شخوصها النحيفة العارية التي تفاعلت حركاتها مع تضاريس السطح تحتها، فكأنها شخوص سابحة في فضاءٍ كونيّ، حروقُ الرغيف فيه بدت كأنها ثقوب سوداء ومجرات والتماعات شموس مبصومة بوجود بشري خفيف لا يخلو من حس هزلي عابر. في حين تعامل عاطف أحمد مع تقنية سطحٍ، هو بين الكولاج والفوتوغرافيا، في لوحة كبيرة تصور امرأتين من الشعب من ظهرهما تدل هيئتهما على الخبز، وإن بشكل غير مباشر. كذلك لوحتان كبيرتا الحجم لخالد سرور تصوران بواقعية بشراً كما لو في السوق، حددت الخطوط السوداء العريضه اطارهم، وملأت الألوان الصريحة تفاصيل شكلهم، في حس يقترب من التناول اللوني لفناني البوب. أما الفيديو، فتعامل ثلاثة فنانين مع الموضوع من خلاله وسيطاً: معتز نصر الدين صوّر رغيف الخبز داخل الفرن وهو ينتفخ بحرارة النار، ثم، بحركة تقنية في آلية تقطيع الصورة وتحريكها، يعود ويهبط ثم ينتفخ ثانية، وهكذا؛ مع صعود سطح الرغيف وهبوطه، نسمع حشرجة صوت آدمي يشهق ويزفر، وكأن الصوت صادر من الرغيف نفسه، في تعبير مفتوح على طرفَي عص، أحدها حياة والآخر موت. الفيديو الثاني لإيناس صادق، فيه استخدام مماثل لمغايرة الصوت مع الصورة، لكنهما يلتقيان في التعبير الساخر. الصورة: تفاصيل السيطرة على الحريق الهائل الذي التهم مجلس الشورى المصري في الفترة الأخيرة. الصوت: حوار ضاحك لممثلَين في مسرحية كوميدية يتلاعبان فيه بالألفاظ، في ما يسمى بالعامية المصرية "القافية". يصف أحدهما للآخر كيف نسي الرغيف في الفرن فاحترق. سخرية المعنى واضحة ولاذعة، في إحالته على المسرحيات الهزلية العبثية التي تدور في اجتماعات مجلسي الشعب والشورى، هذا غير مهزلة الحريق نفسه الذي التهم مبنى المجلس، ناهيك بالاحتراق اليومي المجازي للشعب.
    الفيديو الأخير هو عمل تفاعلي لإيما بناني، رصّت فيه صفاً من الأرغفة على طاولة تحت يد المشاهد، وأمامه شاشة تعرض منظراً من تفاصيل الواقع اليومي، ما إن يلمس المشاهد الرغيف حتى يتحول المنظر في الشاشة آخرَ يعكس اختناقاً أو مفارقةً أو تفصيلةً من أشلاء واقعٍ انهار بالفعل.


    يوسف ليمود ،،،
    * نقلا عن النهار اللبنانية،،

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

    يسلمو

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

    شاكرة ارتشافاتكــ الادبية هنا،،
    دمت برقي،،

  4. #4
    عضو مميز وفعال الصورة الرمزية حلو الاطباعي
    تاريخ التسجيل
    8 - 8 - 2009
    الدولة
    راس الخيمه
    المشاركات
    16,168
    معدل تقييم المستوى
    695

    رد: إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

    يسلمو عالموضوع
    بس وايد طويل
    عيوني تعبت
    دمتي بود

  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: إذا كان الشعب جائعاً فلماذا لا يأكل البسكويت؟!

    إطبع المقال وأقرأ على راحتكــ،،
    شاكرة ارتشافاتكـ الجميلة،،
    دمت بخير،،

المواضيع المتشابهه

  1. [منقول] بيوت من البسكويت
    بواسطة RAKBOY783 في المنتدى مجلس الصور العامة
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 21 - 12 - 2009, 01:36 PM
  2. فن البسكويت الكوري
    بواسطة # نونو # في المنتدى مجلس ما لذ وطاب
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 16 - 10 - 2009, 02:13 AM
  3. روبيرتو مانشينى : لاأعلم أين سأذهب ؟ فلماذا لا يأتي إلينا
    بواسطة JetaimeO في المنتدى الرياضة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24 - 9 - 2008, 04:36 PM
  4. ~{ ركن البسكويت ..
    بواسطة ركن البسكويت في المنتدى مجلس البيع و الشراء
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23 - 7 - 2008, 11:40 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •