الوقت طويل.
هكذا شعرت عندما غرقت في البحر, كان الوقت طويلاً.
فأنا كنت أعرف أنَّني لن أصير بطلاً. مرَّة واحدة حاولت البطولة وفشلت. خرجت من مركب الصَّيد, كان ذلك في بحر (عين المريسة) وكنَّا نصطاد السَّمك. خرجت ومشيت على وجه البحر. قلت لهم إنَّني سأمشي على وجه الماء ومشيت. كلّهم رأوني أمشي, هكذا قالوا لي, وأمَّا أنا فغرقت. وجدت نفسي أغوص والماء يصبح كالغطاء فوقي. بطرس الرَّسول خاف وهو يغرق, غرق لأنَّه خاف, فاستيقظ المسيح وأنقذه. وأمَّا أنا فلم يأتِ أحدٌ لإنقاذي. كنت لا أريدُ أحدا. كنت أريد أن أمش وأن أغرق. غرقت ولم أمشِ. كلّهم قالوا إنَّهم رأوني أمشي, وأمَّا أنا فغرقت. ثمَّ صدَّقت ما قاله الآخرون. هذه هي البطولة, أن تصدِّق ما قاله الآخرون لك.
ومريم صدَّقت أنها ذهبت مع الجنديّ الأسمر الطويل. أنا قلت لها ذلك وهي صدَّقت, لذلك صارت تصلح للكتابة.
روت لي أنَّها شعرت بحنانٍ نحو الفتى, تركته يقبِّل يدها ثمَّ رأته يموت.
(قبَّل يدي ومشى), قالت.
(رأيته يمشي وسط الشَّارع, وكان يشير إليّ بأن أتبعه. أردت أن أتبعه لكنَّني بقيت جامدةً في مكاني, وسمعت صوت الانفجار).
رأت مريم الفتى يموت حين انفجر به لغمٌ وسط الشَّارع. لم تقترب منه لأنَّها خافت من أشلائه التي انتشرت على الحيطان.
هذه هي البطولة.
أن تصدِّق ما يرويه الآخرون عنك, ثمَّ تصبح حكايتهم وتموت.
الخلل الوحيد في حكايتي هو أنَّني لم أمت, كذلك فوزي القاوقجي حين رفع قدمه اليمنى ووضعها على الكرسيّ, وأخبرنا عن مقتل ابنه في ألمانيا. لكنَّه صدَّق. وأمَّا أنا فلا. الصدق لا.
عمَّ أكتب?
(أين الحكاية?), سألتني مريم.
قلت لها إنَّني أروي حكاية سامية لا حكايتها. وأنا أعرف أنَّ ما رويته حتى الآن لا يصلح حتَّى كمقدِّمة لحكاية البحر الميّت أو حكاية وداد أو إميل.
لكنَّني لا أكتب قصّة.
أترك الأشياء تأتي. أقول إنَّني أروي الحكاية كما هي, وكنت أريد أن أضيف: دون زيادة أو نقصان, لكنَّني عدلت عن ذلك. فوداد الشَّركسية التي ماتت منذ عشر سنوات تشبه هذه الدمية المكسورة التي أراها الآن على شرفة مكتب القوميسيون لصاحبه جورج نفَّاع. مسكين جورج نفَّاع. أقول مسكين لأنَّه مات. أحزن عليه دون أن يكون لذلك علاقة بالشَّاعر فؤاد غبريال نفَّاع الذي مات هو أيضا, ولكنَّه بقي في ذاكرتي كأنَّه تمثال. يمشي في طرقات (الأشرفيّة) التي اسمها أيضا (الجبل الصغير), يحوم حول بيت جوليا قرب مقرّ الصليب الأحمر, وفي جيب سترته أوراقٌ مجعلكةٌ هي ديوانه الجديد. يدخِّن (البافرا) ولا يردّ السَّلام على أحد. مسكين فؤاد غبريال نفَّاع, هو أيضاً مات. هكذا يبرِّر الأحياء خياناتهم للموتى ببعض الكلمات العاطفيّة التي لا معنى لها. نحن نخون الموتى بشكلٍ دائم, الكتابة عنهم هي ذروة خيانتهم. لكن هذا ليس صحيحا. مجرَّد استمرارنا في الحياة, رغم كلّ هذا الموت, هو خيانة. ولذلك نلجأ إلى الذكريات كي لا نخون, ولكن في النهاية ماذا نذكر? لا نذكر سوى أنفسنا.
وحدها سامية, حين روت لي عن موت عليّ, لم تروِ عن نفسها. في العادة يخبرونك عن موت الآخرين كي يتحدَّثوا عن أحزانهم أو عن آلامهم. سامية حين تحدَّثت عن موت عليّ, روت عن جسده الممزَّق بالشَّظايا, وكيف أقفل الطبيب الباب على الغرفة حيث حاول معالجته رغم علمه بأنَّه ميّت.
لم تسقط دمعة واحدة من عينيها السوداوين, كان هناك ما يشبه الضّباب حول عينيها وهي تمسكني بيدي أمام الجامع المهدوم الذي تحوَّل إلى قبر. كان الطبيب الذي عالج عليّا ميِّتا وحاول أن يردَّ إليه الحياة, قبل أن يخرج من الغرفة ويغرق في دموعه, رجلاً يونانيّا يُدعى الدكتور (يانو), عمل مع (الهلال الأحمر الفلسطينيّ) منذ عشر سنوات, حين كان يتابع دروسه في القاهرة. يوناني هاجر أهله إلى كندا, يدرس في القاهرة. ثمَّ يصبح الطبيب الوحيد في مخيَّم شاتيلا الذي حُوصِر ثلاث سنوات متواصلة. تلك حكاية تستحقّ أن تُروى. الدكتور (يانو) ألَّف كتابا عن حصار المخيَّم وعن مقتل عليّ. وروى لي كيف جاؤوه بعليّ ميِّتا.
أخذته, قال, حملته بين ذراعيّ وأدخلته غرفة العمليَّات. وضعته أرضا وأقفلت الباب بالمفتاح. كنت أعرف أنَّه مات, لكنَّني لم أصدِّق. كانت الارتجافة التي لم تتوقَّف في جسده توحي بأنَّ هناك شيئا أكبر, من الطبّ والعلم. رأيت روحه. كانت هذه التي انتفضت في جسمه لمدّة نصف ساعة أو أكثر هي الرُّوح التي تنسحب بوحشيّةٍ فظيعة من الجسد الميّت وكأنَّها لم تكن تريد أن تغادره, كأنَّها فُوجئت بالموت وأرادت أن ترفضه. الجسم كان ميّتا, عرفت ذلك حتَّى قبل أن ألمسه. حملوه وكان ينتفض كالمذبوح, كان مذبوحا في صدره وميّتاً. أخذته منهم وحملته بين ذراعيّ وكأنَّني أحمل طفلاً. عاد عليّ طفلاً, فجأة زالت القسوة عن وجهه وعاد طريّا ومرتجفا كطفلٍ وضعته أمّه منذ ثوانٍ قليلة. وضعته على الأرض وقلت لهم أن يخرجوا. أخرجتهم وأقفلت الباب بالمفتاح. لم أفعل شيئا. مزَّقت القميص ورأيت الجروح والشظايا والدمّ الذي كان قد توقَّف عن التدفُّق وكأنَّ هناك شيئا منعه, كأنَّ سدّا أُقيم ليمنع الماء. دمه كان كالماء, لكنّه جمد. نظرتُ إلى عينيه نصف المغمضتين وأغلقتهما بأصابعي, كانتا طريَّتين كوردتين ذابلتين. عرفت الموت من العينين. فجأة تذبل العيون كما تذبل الزهور. العين زهرة الجسد, العين ملجأ الروح. فقدت روحه ملجأها وبدأت تبحث عن مكانٍ تذهب إليه.
كان الجسد ينتفض وأنا الطبيب الذي أنقذ حيوات مئات الجرحى وجدت نفسي عاجزا عن إنقاذ حياته. كان هذا الرّجل أقرب إنسانٍ إليّ. كنت وحدي في هذا المخيَّم المحاصر بالدَّمار والخوف. كنت وحدي, ولولاه لمتُّ خوفا من الوحدة. الآن أراه أمامي يموت. مات قبلي وأنا لم أفعل شيئا. فجأة خلعت جلد الطبيب عنِّي. لم أشعر أنَّني ساحرٌ إلاَّ في هذا الحصار. هنا شعرت أنَّني نصف إله. أنقذ النَّاس بالأعجوبة وحدها. هل تعلم ماذا يعني أن تكون طبيبا في مثل هذه الشروط التي كنت فيها? لا أحد يعلم, نقصٌ في المضادَّات الحيويّة, نقصٌ في البنج, نقصٌ في الممرِّضين, نقصٌ في المازوت من أجل تشغيل مولِّد الكهرباء, كلُّ شيءٍ ناقص, وأنا أصنع العجائب. يوم عليّ سقطت الأعجوبة, ورأيت الموت وأحسست بالعجز المطلق. رأيت روحه وجلست أرضا إلى جانب جسده. أردتُ أن أدلِّك الجسد المرتجف أمامي كي أساعد الروح على الذّهاب. ولكنَّني لم أجرؤ, خفت, جلست إلى جانبه وكنت خائفا. وعندما همد جسده أحسست بما يشبه الإغماء. أحسست بحاجةٍ إلى النَّوم. كدت أنام. سمعت قرعها على الباب. عندما فتحت قالت إنَّها تقرع منذ نصف ساعة ولكنَّني لم أسمعها, لم تسألني عنه, لم تسأل. سامية كانت تعرف. اقتربت منه وألقت عليه نظرة وكأنَّها تغطيه. أخذتني من يدي وقالت لي إنَّني مُتعب ويجب أن أذهب وأرتاح. خرجت من الغرفة وتركتها معه. سمعتها تقفل الباب خلفي. لكنَّني لم أسألها شيئا. لم أسألها لأنَّني نمت عشر ساعاتٍ متواصلة. نمت كالقتيل, ولم أسمع القذائف ولم أحلم بشيء.
الطبيب اليونانيّ يدلّني على المستشفى. أرى غرفاً شبه محطَّمة وستائر مفتوحة وكأنَّها معلَّقة في الفراغ. أمشي إلى جانبه وهو يريني غرفة الأدوية. أشمُّ رائحة الدَّواء وأسأل عن غرفة العمليَّات, والطبيب يبتسم. سامية لم تتكلَّم, كانت تنظر إلينا. سمعته وهو يروي لي كيف مات عليّ ولم تقل شئيا.
كانت تشرب قهوتها وتضع يديها الاثنتين حول الفنجان وكأنَّها تدفئهما, وتبتسم. رأيت ظل ابتسامة صغيرة على شفتيها.
تكرَّرت هذه الابتسامة في ذاكرتي إلى ما لا نهاية.
طبعا رحل الطبيب اليونانيّ إلى كندا أو إلى بلادٍ أخرى, لست أدري, وعليّ بقي في مكانه, جسده يرتجف, وروحه تمتدّ فوق المكان, وأصوات قذائف مختنقة تملأ الفضاء.
أمَّا شرفة جورج نفَّاع فكانت كأنَّها معلَّقة وحدها في الفضاء.
غبار, وهذا الدّمار الذي يلفّ الوسط التجاريّ في بيروت, والنَّاس يمشون بين الخرائب وكأنَّهم يفتِّشون عن مدينتهم الضائعة, أو كأنَّهم يكتشفونها. وعلى جانب الشّرفة برزت الدمية, دمية امرأة عارية جسدها ورديّ وشعرها أشقر, ويدها اليسرى مكسورة, واليمنى ممدودة, تلتفت منحنية إلى الخلف وسط صناديق كرتونيّة ممزَّقة, وأثاث محطَّم, ويبدو أنَّها وضعت على الشّرفة كي يتخلّص منها الذين دخلوا الشّقّة لسرقتها.
(إنَّها شركسيّة, انظر), قالت مريم.
كانت الدّمية شركسيّة, هكذا كان النَّاس يرون الشَّركسيَّات, شقراوات الشَّعر بأجسادٍ بيضاء تميل إلى اللَّون الوردي.
كنَّا ننحدر من كنيسة (الكبُّوشيّة) باتّجاه شارع البطريرك حويِّك, ونحن نبحث عن مطعم (لوكولوس), حين رأينا الدُّمية الشَّركسيّة على شرفة جورج نفَّاع.
(إنَّها وداد البيضاء), قالت مريم.
مشينا باتّجاه شارع الحويّك.
(هنا مات خليل), قلت لها.
(أنت تنسى), قالت, (لقد روت لي ذلك ألف مرّة).
ماذا أكتب?
(أين الخلل?), سألتها.
(لا شيء), قالت.
ونزلت الدمية. كانت مريم تحاول أن تركض باتّجاه الشَّارع حين رأت الدمية. لم تكن دمية, بل امرأة. امرأة في السَّبعين من العمر, بيضاء بيضاء, كانوا يسمُّونها المرأة البيضاء, هكذا روى جورج نفَّاع عن زوجة أبيه. قال إنَّها البيضاء, وقال إنَّ والده أشهر إسلامه من أجلها. في البداية لم تكن الحكاية جدِّيّة. كان إسكندر نفَّاع شريكا لليهودي وديع السّخن في محلّ القوميسيون الشَّهير, الكائن قرب مكتبة أنطوان, خلف ساحة رياض الصّلح.
وجاءوا بها.
كانت فتاة لا تتجاوز الثالثة عشرة, تبدو مذعورة وخائفة ولا تتكلَّم العربيّة. واشتراها. في تلك الأيَّام, كانت مجموعة من التُّجار وقطَّاع الطرق تعمل بين بيروت والإسكندريّة وروسيا, تخطف الفتيات أو تشتريهنَّ, وتبيعهنَّ في أسواق الرّقيق الأبيض في القاهرة ودمشق وبيروت. كان ذلك سنة 1920, سنة إعلان دولة لبنان الكبير, وبيروت تنفض آثار الحرب العالميّة الأولى, وذكريات المجاعة التي لم تنجُ منها عائلة نفَّاع إلاَّ بفضل حرص نسيم والد وديع السّخن, وشريك إسكندر, وقدرته على تهريب القمح من حوران, وبيعه لبعض العائلات الغنيّة في بيروت.
جاء إسكندر نفَّاع إلى بيته, وكان في الخمسين, ومعه الفتاة الشَّركسيّة المذعورة التي اشتراها. لم يقل لزوجته مدام لودي إنَّه اشتراها. قال إنَّها خادمة. ودخلت الخادمة البيت وبدأت الحكاية.