صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 29

الموضوع: رواية مملكة الغرباء

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    Exll رواية مملكة الغرباء

     

    مملكــــة الغــرباء

    للكاتب

    إلياس خوري




    أتمنى أن تنال إقبال

    الجميع

    ورضا الكل

    * سيتم في كل يوم إكمال باقي الرواية الرائعة،،

  2. #2
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    Exll رد: رواية مملكة الغرباء

    روايــــة
    مملكــة الغربــاء
    إلياس خوري


    قلت لها إنَّني أشمّ رائحة الذكريات.
    ابتسمت.
    كانت مريم تبتسم حين لا تعرف الأجوبة ثمَّ تتلعثم وتتردّد قبل أن تقول إنَّها لا تعرف أن تعبّر عن فكرتها.
    هكذا كانت.
    امرأة قصيرة الشعر, واسعة العينين, ظهرها ينحني قليلاً إلى الأمام, تدندن لحنا غريبا لم تقل لي مرّةً من أين جاءت به, وتمشي إلى جانبي صامتةً على ضفّة البحر الميِّت.
    كان الأفق رصاصيّا.
    رصاصٌ يلوّن ضفّة البحر الميِّت, وأنا أقف. غور الأردن ينخفض بي إلى قاعٍ لَزِج. رطوبة ورصاص ورائحة ذكريات.
    الفرق هو القصّة, قالت. الحبّ هو قصّة الحبّ.
    لم تكن معي في رحلتي إلى الغور. بلى كانت, رائحتها كانت, وأنا أشمّ رائحة الذكريات, وهي لا تعرف الفرق بين الحبّ وقصّة الحبّ.
    قالت إنَّها تحبّني.
    يوم التقيت بها في تلك اللّيلة, لم تتلعثم أو تتردّد. قبّلتني وقالت إنَّها تحبّني, ولم تسأل عن الفرق بين الحبّ وقصّة الحبّ.
    هكذا بداية الأشياء, تبدو وكأنَّها معلّقة في الفراغ.
    التقيت بها, كان ليلٌ وكانت بيروت. التقينا على شرفةٍ معلّقة فوق البحر. كنت عائدا من غور الأردن, رائحتي مبلّلة بالتَّعب, وعلى رأسي غبارٌ من أرض فلسطين. وكانت هناك. جاء أصدقاء لا أعرفهم وسهرنا حتَّى الثَّالثة صباحا. كانوا يرقصون وكنت أشعر أنَّني وحيدٌ وسوف أموت. كنت قادما من الموت. هكذا قلت لها. اعتقدت أنَّني أحاول غوايتها وضحكت.
    "(الموت)", قالت, "(يا لطيف)".
    وضحكت.
    ضحكت أنا ورقصنا. رقصت أمامي, كان جسمها مربوطا بآلاف الخيوط غير المرئيّة. كانت تتحرَّك يمينا وشمالاً دفعة واحدة. لا أذكر كثيرا. أنا لا أعرف أن أتذكَّر الأشياء, هي أخبرتني, أخذتها إلى البحر وركبنا قاربا شراعيّا ومضينا نتوغّل من الشاطئ إلى الأعماق وهناك أخبرتني وكنت أرى الأشياء وكأنَّها ظلال. كأنَّنا ظلالٌ للكلمات. قلت لها إنَّ ما روته يبدو لي معقولاً, (أذكره لأنَّك تروينه). ضحكت. الضحكة لم أنسها; كيف أنسى? كانت ترقص وكنت أرقص, ثمَّ نامت. لم تنم. ذهبت إلى الشُّرفة واستلقت على أرجوحة إسبانيّة مصنوعة من الحبال. مشيت باتِّجاهها. كانت عيناها مغمضتين, ولكنَّها رأتني. رأتني بعينيها ولم تفتح عينيها. رأتني أتقدّم فأزاحت جسمها قليلاً كأنها تترك لي مكانا صغيرا كي أستلقي إلى جانبها. أمسكتُ بطرف الأرجوحة قليلاً وهززتها. كان هواء أيلول. في تلك السنة أمطرت في أيلول. دائما تمطر في أيلول. بيروت في أيلول تبدو مبلّلة ببدايات الشِّتاء. يكون الشِّتاء على طرف ثوبها وكأنَّه على طرف ثوب امرأة. كنت أراها من الخلف, وكان ثوبها طويلاً ومطرّزا برسومٍ حمراء, وهي تركض والماء ينقِّط من طرف الثوب. كانت مريم تنام, وأنا أمسك بحبل الأرجوحة, والهواء المبلّل برائحة الماء يغطّي وجهها.
    كان وجهها مغطّى بالماء, بما يشبه الماء. ثمَّ اقتربتُ واستلقيتُ إلى جانبها. لم تقل كلمة, أغمضتُ عينيَّ كما أغمضت عينيها, ورأيتها كما رأتني, وصارت الأرجوحة التي تحملنا كأنَّها سفينةٌ تهتزّ وسط بحر هادئ.
    قالت إنَّها فتحت عينيها فوجدت أنَّ الجميع ذهبوا.
    أيقظتني, وسألتني ذلك السؤال الذي سألتني إيَّاه آلاف المرَّات. فتحت عينيها وقالت شيئا يشبه (الأهلا), ثمَّ سألتني من أكون. لم تكن تعرف اسمي, وأنا لم أقل لها اسمي. بعد ذلك عرفته, لكنَّها لم تكن تستخدمه أبدا حين تخاطبني. فتحت عينيها وسألتني من أكون, فضحكت, وضممتها إلى صدري وتركتها تتغلغل هناك في الداخل.
    في تلك اللّيلة التي أذكرها لأنَّها روتها لي, أو رويتها لها, لا أعرف, ولا أعرف لماذا لا يتوقّف العشَّاق عن رواية حكاياتهم التي يعرفونها. معها تعلَّمت أنَّ الحكاية تُروى لأنَّها معروفة, وأنَّ النَّاس حين يروي بعضهم حكاياتهم لبعض, يحوّلون الماضي إلى حاضر, وأنَّ القصص لا تكون إلاَّ بوصفها ماضيا يحضر الآن.
    سألتني من أكون, ونهضتْ من الأرجوحة, فتبعتها. دخلنا إلى الصالون, وكان هناك فراش على الأرض. قالت تعال, وجئت. استلقيتُ إلى جانبها ونمتُ.
    (...)
    يومها قالت لي إنَّها تحبّني, وضحكت.
    لم نضحك لأنّنا لم نصدِّق, ضحكنا لأنّنا صدّقنا. تصديق الأشياء مثل عدم تصديقها يقود إلى الضحك. (خمس ساعات وأنت تطير فوقي, كأنّي أستقبلك وأودِّعك وأنت تضحك).
    هكذا قالت.
    هكذا كانت تروي القصّة دائما.
    (وغدا عندما تنتهي الحكاية سوف نجلس على شاطئ البحر, ونسكر ونضحك ثمَّ نمضي, لا أريد نهاياتٍ حزينة).
    تحدّثت عن نهاية الحبّ قبل أن يبدأ. تحدّثت عن الحبّ وكأنّه حكاية تعرفها من بدايتها إلى نهايتها.
    (الحكايات لا تنتهي), قلتُ لها.
    (ماذا ينتهي?), سألت.
    (ينتهي الرَّاوي), أجبتها.
    (أنت الرَّاوي), قالت.
    (لا, أنا الحكاية).
    ضحكت, (أنت هكذا).
    (أنا هكذا), قلت. وأخبرتها عن البحر الميِّت, الذي هو بحر الملح وبحر الماء وبحر الحدّ الفاصل بين السَّماء والأرض.
    أخبرتها كلّ الحكايات وطلبت منها أن تأتي معي. قالت إنَّها لا تجد مكانا. الزورق مضى وعليها أن تمضي إلى حيث تمضي.
    سألتني كيف ينتهي الحبّ, ومضت.
    واليوم أراها.
    أراها أمامي كامرأة مبلّلة الثّوب بالمطر. أراها من الخلف وهي تمشي مسرعةً في شوارع بيروت المبقّعة بمطر أيلول. أراها وأقول لها إنّني أراها, وأتركها تمضي إلى حيث لا أعلم.
    (أنا لا أحبّ الشرفات), قالت.
    وقالت إنّها تشعر بدوخة أمام البحر.
    وقالت إنّها تحبّني.
    وقالت إنّها الحكاية.
    اسمها مريم, نسيت أنْ أخبركم أنَّ اسمها مريم, وأنّها بيضاء مثل وداد, وأنّها تملك جسدا يتلوّن بالرغبة حين تأتي الرغبة. وأنها الآن لست أدري.
    أخذتها إلى البحر الميّت. أذكر أنّني أخذتها وأنّنا مشينا أمام الأفق الرصاصيّ, وأنّها بكت حين رأت أنوار القدس تتسلّل من خلف مدينة أريحا, وأنّها ركضت وسط الماء المالح وقالت إنّها تمشي على الماء, وأنَّها شربت قنّينة نبيذ أبيض, وأنّها روت لي حكاياتٍ لا تنتهي عن رجالٍ ونساءٍ عرفتهم وأحبَّتهم.
    كلّ الحكايات التي أعرفها ولا أعرفها اجتمعت هناك, على تلك الضفّة المكسورة من ذلك البحر المالح الذي كان لونه رماديّا. بحرٌ رماديّ لا يشبه البحار, وخلفنا مدنٌ تنزلق نحو غور الأردن, كأنّها تتساقط إلى تحت الأرض. إلى مكان لا يمكن الوصول إليه, إلى حكايات تدور وتدور وكأنَّها لا تنتهي.
    وتدور الحكاية.
    عندما رجعت هذه المرّة والذكريات تغطِّيني بدل الغبار, ورغبة الحياة صار طعمها مُرّا وناشفا, أخبرتها حكاية الرَّاهب الذي مات, وحاولت أن ألعب معها لعبة أخبار الحكايات التي نعرفها.
    (أنا لم أكن معك), قالت.
    (الحبّ هو قصّة الحبّ), قلتُ.
    (ومتى ينتهي الحبّ?), سألتْ.
    (حين تنتهي القصّة), أجبتها.

  3. #3
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    العاصمة AD
    المشاركات
    4,473
    معدل تقييم المستوى
    84

    رد: رواية مملكة الغرباء

    [align=center]
    تسلميـــــن الغاليـــــــة


    فرحتينـــــي واااااااااااايد


    لـي عـودة فالليـل و بقراهـــــا ... ربي يحفظج


    [/align]
    [SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا

    [COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ

    [COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]

  4. #4
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    العاصمة AD
    المشاركات
    4,473
    معدل تقييم المستوى
    84

    رد: رواية مملكة الغرباء

    عيبـتني هالجملـة وما اعرف ليـش " ضحكت. الضحكة لم أنسها; كيف أنسى "

    بإنتظـار الجزء الثانـــي ،، لا تتأخريـن
    [SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا

    [COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ

    [COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]

  5. #5
    x مشرف المجلس المنوع x الصورة الرمزية ▌║ℳř Ŏบị ~♛
    تاريخ التسجيل
    24 - 9 - 2009
    الدولة
    ŨŋĭţễĐ ṦţสŤẽş ЯẫЌ
    المشاركات
    4,973
    معدل تقييم المستوى
    180

    رد: رواية مملكة الغرباء

    ثانكس ع الطرح الرااائع
    عيبتني الروايه واايد

    تحياتي




    ادعولي بالفرج والتيسير واستجابة الدعاء

  6. #6
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: رواية مملكة الغرباء

    يسلمو ع الطرح

  7. #7
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: رواية مملكة الغرباء

    (ومتى تنتهي القصّة?).
    (حين يموت الرَّاوي).
    (ومتى يموت الرَّاوي?).
    (هنا يجب تغيير السؤال, يجب أن تسألي: من قتل الرَّاوي?).
    (ومن قتل الرَّاوي?), سألتْ.
    (لا أعرف).
    عمَّ أكتب?
    حكايتان, لا, ثلاث حكايات. لست أدري كم عددها, ولا أعرف لماذا تترابط حين أرويها. عندما نكتب فنحن نمتلك أن نقول ما نشاء, كلاَّ, نمتلك أن نقول ما يُقال, نشاء ما نقول, لا العكس.
    ولكن لماذا?
    لماذا تحضر صورة وداد البيضاء على وجه المسيح مع نهر الأردن, مع المريمات وهنَّ يحطن بالرَّجل الذاهب إلى الموت? هل هي الذكريات حين تُستعاد تختلط وتتحوّل إلى مزيج, إلى حكايةٍ واحدة أصولها في كلِّ الحكايات?
    لكنَّها ليست ذكرياتي.
    هل أجرؤ يا سيِّدي على أن أقول بأنّ حكايتك هي ذكرياتي? هل أجرؤ يا سيِّدي على أن أنتظر منك جوابا?
    قلت لسامية إنّها ليست ذكرياتي, ونحن نقف أمام الجامع المهدّم الذي تحوّل إلى مقبرةٍ في مخيَّم شاتيلا. حتَّى كلمة حبّ لم أتلفَّظ بها. كان اسمها سامية لا مريم. سامية تأتي إلى هذا الحقل الشاسع من الحكايات وتدخل فيها. وتقول إنّها مريم.
    الحقيقة أنّني قلت لها بأنّنا سنغيّر العالم. حدّثتها عن تغيير العالم من غير أن أعى ما أقول. قلت نغيّر العالم لأنّنا كنّا نقول ذلك.
    على ضفّة البحر الرصاصيّ, سألتني عن العالم.
    (هل تغيّر العالم?), سألت.
    هذه المرّة لم تتلعثم حين سألتْ, ولم تبتلع نصف كلماتها كما كانت تفعل دائما. أنا الذي تلعثم, فأنا لم أغيّر العالم, ولكنّني اكتشفت أبسط الأشياء وأكثرها بداهةً وسذاجة, اكتشفت أنّني سأموت لأنّ الإنسان يموت, وعندما اكتشفت العالم تغيّر الموت أو بالعكس, عندما اكتشفت الموت تغيّر العالم. أنا لم أغيّره, أنا رأيته, وحين رأيته تغيّر كلّ شيء, أنا وهو وأنتم وهي.
    ربَّما, لهذا, تمتزج القصص لتتحوّل إلى هذه الحكاية. فالقصّة, كما لا تعرف مريم, تبدأ حين لا تعود قصّة, وتمتزج بقصصٍ أخرى, عندها لا يموت الحبّ حتّى بعد أن يموت البطل.
    وداد الشركسيّة البيضاء, لم تكن تعرف, وهي تأتي بعد رحلة التيه والذّلّ الطويلة لتستقرّ في بيروت, بأنّها سوف تنتهي في حقل الموت هنا, وستتحوّل إلى الأرض التي تفرشها هذه الحكاية لتخبر حكايات عن هذا العالم الغريب الذي لم نغيّره.
    لماذا أروي?
    هل لأقول لمريم إنّني أحبّها, وقد قلت لها ذلك ألف مرّة? واليوم لم يعد القول يعني شيئا, فهي ليست هنا, ولن تقرأ ما أكتبه, حتَّى ولو قرأت, فلن تعرف أنّني أحبّها. أم نكتب لأننا لسنا أبطالاً?
    الأبطال يموتون, وأمّا نحن فنروي حكاياتهم.
    فلأُحَدِّدْ. أنا أتكلَّم عن امرأةٍ واحدةٍ اسمها مريم. هذه المرأة هي التي أخذتني إلى خطوط التَّماسّ في بيروت, حيث شاهدت كلّ ذلك الخراب الذي صنعناه, ثمّ صعدتُ وإيّاها إلى مطعم مهدّم كان اسمه (لوكولوس), يقع في الطابق الأخير من بناية عالية تواجه البحر. حملت مريم طنجرة الفاصوليا والرّز التي طبختها في بيتها, وصعدنا الدرجات المحطَّمة والمبنى المتداعي, حتَّى وصلنا إلى مكان المطعم. جلسنا على الأرض لأنّنا لم نجد كرسيّا واحدا, وأكلنا وشربْنا, وروت لي كلّ شيء.
    أمَّا سامية فحكاية أخرى.
    حين أمسكت سامية بيدي أمام قبر علي أبو طوق داخل مخيَّم شاتيلا, قلت لها مريم, فَحَنَتْ رأسها كأنَّها مريم.
    هنا يقع الخلل الأساسيّ.
    فالأبطال يَحْنُون رؤوسهم حين نروي حكاياتهم. حتَّى فوزي القاوقجي أحنى رأسه وهو يستمع إلى ذكرياته.
    كان قائد جيش الإنقاذ في السبعين من العمر, حين التقينا به في مركز الأبحاث الفلسطينيّ في بيروت. كان يقف في مكتب مدير المركز الدكتور أنيس صايغ ويروي ذكرياته عن بطولات جيشه. ثمَّ وضع رجله اليمنى على الكرسيّ ورفع بنطلونه إلى الأعلى, فرأينا آثار الرّصاص.
    (تسع رصاصات), قال.
    كان فوزي القاوقجي طويلاً ورفيعا, وإلى جانبه تقف زوجته الألمانيّة البيضاء الممتلئة, وهي تحاول أن تعيد البنطلون إلى مكانه وهو لا يكترث لها.
    الأبطال لا يكترثون.
    كانت رجل القاوقجي اليمنى طويلة وبيضاء, وقد تساقط الشَّعر منها, ولم يبق سوى أخاديد داكنة تخترقها في كلِّ الأماكن, والزوجة الألمانيّة تحاول أن تشدّ البنطلون وهو لا يكترث.
    الأبطال يحكون حين يصيرون أبطالاً.
    هل كان الأبطال يعلمون أنَّهم سيصبحون أبطالاً? هل كان علي يعلم وهو يركض تحت القذائف, في أزقّة مخيَّم شاتيلا المحاصرة, أنَّه سيصير بطلاً, وستصير حكايته حكاية?
    فوزي القاوقجي صدّق الحكاية.
    كان يقف وسط الغرفة, ونحن حوله, ويروي. كنّا قد قرأنا مذكّراته التي صدرت في كتاب. روى لنا أشياء من الكتاب, ونحن نستمع إليه وكأنَّنا لم نقرأ. روى عن التجمّع في غور الأردن, عن مجموعات الفرسان التي التقت في الغور وكيف قطعت النَّهر إلى فلسطين. ولكن لم يكن يخبر الحقيقة. مجموعات الفرسان التي أخبرنا عنها التقت في الغور عام 1936 لا عام 1948. عام 1936 كان القاوقجي يقود كوكبةً من المتطوّعين, وعام 1948 كان يقود جيشا. ولكنَّه حين وقف أمامنا ليروي لم يميّز بين الحربين. روى عن نفسه وكأنّه وُلِد قائدا لجيش الإنقاذ. واستمعنا إليه وصدّقناه. لماذا لا نصدّقه? ما الفرق بين 1936 و1948? وغدا عندما سأقف أنا, أو سيقف عليّ, عليّ لن يقف لأنَّه مات, لكن لنفترض أنَّ عليّا لم يمت. علي يصلح للوقوف أكثر منّي, لأنَّه مثل القاوقجي, كان مصابا بخمس طلقاتٍ في رجله. وعندما التقيت به للمرّة الأولى, كانت قدمه اليسرى داخل الجفصين, وكان يمشي متكئا على عصا ويعرج. بعد أن شفيت قدمه ولم يعد يعرج ظلَّ يحمل العصا, وحين يتذكَّر نفسه كان يعرج قليلاً. لكأنَّه اعتاد على أن يعرج ولم يعد يريد أن يمشي كما كان يمشي قبل أن تصيبه الطلقات في قدمه اليسرى على مدخل حيّ البرجاوي في بيروت.
    لنفترض أنّ عليّا كان يروي.
    لنفترض أنّني أقف ومعي مجموعة من النَّاس, في مركز الأبحاث الفلسطيني نفسه, الذي حوّلوه إلى مقبرة بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982, حين نسفوه بسيَّارة مفخّخة, فماتت حنّة شاهين القادمة من (فسوطة) في الجليل, وصارت سعاد كسيحة, ودخل ثلاثون من العاملين فيه المستشفيات, وبقيت أشلاء الموتى في شارع (كولومباني) ثلاثة أيَّام قبل أن يأتي عمَّال التنظيفات ويرشّوا الحيّ بالماء والمبيدات.
    لنفترض أنّ كل شيء عاد كما كان, وأنّ عليّا يقف والكهولة تغطِّي شعر رأسه, ويروي لنا ذكرياته.
    ماذا سيروي?
    هل سيجد متّسعا في الذاكرة ليميّز بين معارك أيلول 1970 في الأردن, وبين حصار مخيَّم شاتيلا في بيروت عام 1985?
    أم كان سينسى قليلاً, ويخبرنا عن سامية وكأنَّها كانت رفيقته في قواعد الفدائيّين في (غور الصافي); ويحدثنا عن أولاده الذين يدرسون في عمَّان, مع أنّهم كانوا سيدرسون في تونس?
    أراه أمامي كما رأيت القاوقجي.
    القاوقجي كان طويلاً ورفيعا, وأمّا عليّ فكان قصيرا ونحيلاً وله لحية كثَّة وحاجبان مقفلان. أراه يحكي عن بطولاته وينسى التواريخ.
    (لماذا تصدّقون?), سألت مريم.
    (لا أعرف), جاوبتها. (نصدّق لأننا نشعر بالهزيمة, المنتصر معنيّ بالحقيقة, يقسّم الزَّمن إلى مراحل, ويميّز بين مرحلة ومرحلة لأنّه يريد أن يسيطر على الماضي والمستقبل, وأمّا نحن?).
    (نحن ماذا?), سألتْ.
    (نحن لم ننهزم بعد), قلت.
    (وماذا تسمّي ما يجري?).
    (هزائم, لكنّنى لا أستطيع أن أصدّق).
    (لا تصدّق لأنّك مهزوم, تصدّق حكاياتك وتنسي الحقيقة).
    ومريم كانت تعلم.
    قالت لي إنَّها كانت تعلم أنَّ الفتى سوف ينظر إليها, وستمتلئ عيناه بالرَّغبة. نسيت أن أخبركم أنَّنا حين صعدنا إلى المطعم المهدَّم, كانت الحرب قد انتهت, وكان الجيش اللّبنانيّ قد انتشر في الوسط التِّجاريّ. ذهبنا أنا ومريم إلى مطعم (لوكولوس), ورأينا الجنود المتعبين جالسين على الأرض بين الرّكام والدمار. كانوا من (فوج الأغرار). سألنا المجموعة التي كانت تشعل نارا قرب مبني المطعم من أين هم, فقالوا من الشمال. دعوناهم إلى الغداء معنا فتردَّدوا. كانوا خمسة جنود, صعد ثلاثة معنا وبقي اثنان تحت. كان الفتى الطويل الأسمر ذو الشَّارِب الأسود الرَّفيع ينظر إلى مريم, وهي تبتسم له. ثمَّ بدأ يخبرها حكاياتٍ عن عائلته. وأمَّا أنا فلم أستمع, كنت مدهوشا بقدرة مريم على الاستماع وعلى دفع الآخرين إلى الكلام. ثمَّ اختفت, نزلت مع الجنديّ الطَّويل الأسمر كي تسكب الطَّعام للجنديّين اللَّذين بقيا تحت للحراسة, ولم تعد إلاَّ بعد وقتٍ طويل.

  8. #8
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: رواية مملكة الغرباء

    الوقت طويل.
    هكذا شعرت عندما غرقت في البحر, كان الوقت طويلاً.
    فأنا كنت أعرف أنَّني لن أصير بطلاً. مرَّة واحدة حاولت البطولة وفشلت. خرجت من مركب الصَّيد, كان ذلك في بحر (عين المريسة) وكنَّا نصطاد السَّمك. خرجت ومشيت على وجه البحر. قلت لهم إنَّني سأمشي على وجه الماء ومشيت. كلّهم رأوني أمشي, هكذا قالوا لي, وأمَّا أنا فغرقت. وجدت نفسي أغوص والماء يصبح كالغطاء فوقي. بطرس الرَّسول خاف وهو يغرق, غرق لأنَّه خاف, فاستيقظ المسيح وأنقذه. وأمَّا أنا فلم يأتِ أحدٌ لإنقاذي. كنت لا أريدُ أحدا. كنت أريد أن أمش وأن أغرق. غرقت ولم أمشِ. كلّهم قالوا إنَّهم رأوني أمشي, وأمَّا أنا فغرقت. ثمَّ صدَّقت ما قاله الآخرون. هذه هي البطولة, أن تصدِّق ما قاله الآخرون لك.
    ومريم صدَّقت أنها ذهبت مع الجنديّ الأسمر الطويل. أنا قلت لها ذلك وهي صدَّقت, لذلك صارت تصلح للكتابة.
    روت لي أنَّها شعرت بحنانٍ نحو الفتى, تركته يقبِّل يدها ثمَّ رأته يموت.
    (قبَّل يدي ومشى), قالت.
    (رأيته يمشي وسط الشَّارع, وكان يشير إليّ بأن أتبعه. أردت أن أتبعه لكنَّني بقيت جامدةً في مكاني, وسمعت صوت الانفجار).
    رأت مريم الفتى يموت حين انفجر به لغمٌ وسط الشَّارع. لم تقترب منه لأنَّها خافت من أشلائه التي انتشرت على الحيطان.
    هذه هي البطولة.
    أن تصدِّق ما يرويه الآخرون عنك, ثمَّ تصبح حكايتهم وتموت.
    الخلل الوحيد في حكايتي هو أنَّني لم أمت, كذلك فوزي القاوقجي حين رفع قدمه اليمنى ووضعها على الكرسيّ, وأخبرنا عن مقتل ابنه في ألمانيا. لكنَّه صدَّق. وأمَّا أنا فلا. الصدق لا.
    عمَّ أكتب?
    (أين الحكاية?), سألتني مريم.
    قلت لها إنَّني أروي حكاية سامية لا حكايتها. وأنا أعرف أنَّ ما رويته حتى الآن لا يصلح حتَّى كمقدِّمة لحكاية البحر الميّت أو حكاية وداد أو إميل.
    لكنَّني لا أكتب قصّة.
    أترك الأشياء تأتي. أقول إنَّني أروي الحكاية كما هي, وكنت أريد أن أضيف: دون زيادة أو نقصان, لكنَّني عدلت عن ذلك. فوداد الشَّركسية التي ماتت منذ عشر سنوات تشبه هذه الدمية المكسورة التي أراها الآن على شرفة مكتب القوميسيون لصاحبه جورج نفَّاع. مسكين جورج نفَّاع. أقول مسكين لأنَّه مات. أحزن عليه دون أن يكون لذلك علاقة بالشَّاعر فؤاد غبريال نفَّاع الذي مات هو أيضا, ولكنَّه بقي في ذاكرتي كأنَّه تمثال. يمشي في طرقات (الأشرفيّة) التي اسمها أيضا (الجبل الصغير), يحوم حول بيت جوليا قرب مقرّ الصليب الأحمر, وفي جيب سترته أوراقٌ مجعلكةٌ هي ديوانه الجديد. يدخِّن (البافرا) ولا يردّ السَّلام على أحد. مسكين فؤاد غبريال نفَّاع, هو أيضاً مات. هكذا يبرِّر الأحياء خياناتهم للموتى ببعض الكلمات العاطفيّة التي لا معنى لها. نحن نخون الموتى بشكلٍ دائم, الكتابة عنهم هي ذروة خيانتهم. لكن هذا ليس صحيحا. مجرَّد استمرارنا في الحياة, رغم كلّ هذا الموت, هو خيانة. ولذلك نلجأ إلى الذكريات كي لا نخون, ولكن في النهاية ماذا نذكر? لا نذكر سوى أنفسنا.
    وحدها سامية, حين روت لي عن موت عليّ, لم تروِ عن نفسها. في العادة يخبرونك عن موت الآخرين كي يتحدَّثوا عن أحزانهم أو عن آلامهم. سامية حين تحدَّثت عن موت عليّ, روت عن جسده الممزَّق بالشَّظايا, وكيف أقفل الطبيب الباب على الغرفة حيث حاول معالجته رغم علمه بأنَّه ميّت.
    لم تسقط دمعة واحدة من عينيها السوداوين, كان هناك ما يشبه الضّباب حول عينيها وهي تمسكني بيدي أمام الجامع المهدوم الذي تحوَّل إلى قبر. كان الطبيب الذي عالج عليّا ميِّتا وحاول أن يردَّ إليه الحياة, قبل أن يخرج من الغرفة ويغرق في دموعه, رجلاً يونانيّا يُدعى الدكتور (يانو), عمل مع (الهلال الأحمر الفلسطينيّ) منذ عشر سنوات, حين كان يتابع دروسه في القاهرة. يوناني هاجر أهله إلى كندا, يدرس في القاهرة. ثمَّ يصبح الطبيب الوحيد في مخيَّم شاتيلا الذي حُوصِر ثلاث سنوات متواصلة. تلك حكاية تستحقّ أن تُروى. الدكتور (يانو) ألَّف كتابا عن حصار المخيَّم وعن مقتل عليّ. وروى لي كيف جاؤوه بعليّ ميِّتا.
    أخذته, قال, حملته بين ذراعيّ وأدخلته غرفة العمليَّات. وضعته أرضا وأقفلت الباب بالمفتاح. كنت أعرف أنَّه مات, لكنَّني لم أصدِّق. كانت الارتجافة التي لم تتوقَّف في جسده توحي بأنَّ هناك شيئا أكبر, من الطبّ والعلم. رأيت روحه. كانت هذه التي انتفضت في جسمه لمدّة نصف ساعة أو أكثر هي الرُّوح التي تنسحب بوحشيّةٍ فظيعة من الجسد الميّت وكأنَّها لم تكن تريد أن تغادره, كأنَّها فُوجئت بالموت وأرادت أن ترفضه. الجسم كان ميّتا, عرفت ذلك حتَّى قبل أن ألمسه. حملوه وكان ينتفض كالمذبوح, كان مذبوحا في صدره وميّتاً. أخذته منهم وحملته بين ذراعيّ وكأنَّني أحمل طفلاً. عاد عليّ طفلاً, فجأة زالت القسوة عن وجهه وعاد طريّا ومرتجفا كطفلٍ وضعته أمّه منذ ثوانٍ قليلة. وضعته على الأرض وقلت لهم أن يخرجوا. أخرجتهم وأقفلت الباب بالمفتاح. لم أفعل شيئا. مزَّقت القميص ورأيت الجروح والشظايا والدمّ الذي كان قد توقَّف عن التدفُّق وكأنَّ هناك شيئا منعه, كأنَّ سدّا أُقيم ليمنع الماء. دمه كان كالماء, لكنّه جمد. نظرتُ إلى عينيه نصف المغمضتين وأغلقتهما بأصابعي, كانتا طريَّتين كوردتين ذابلتين. عرفت الموت من العينين. فجأة تذبل العيون كما تذبل الزهور. العين زهرة الجسد, العين ملجأ الروح. فقدت روحه ملجأها وبدأت تبحث عن مكانٍ تذهب إليه.
    كان الجسد ينتفض وأنا الطبيب الذي أنقذ حيوات مئات الجرحى وجدت نفسي عاجزا عن إنقاذ حياته. كان هذا الرّجل أقرب إنسانٍ إليّ. كنت وحدي في هذا المخيَّم المحاصر بالدَّمار والخوف. كنت وحدي, ولولاه لمتُّ خوفا من الوحدة. الآن أراه أمامي يموت. مات قبلي وأنا لم أفعل شيئا. فجأة خلعت جلد الطبيب عنِّي. لم أشعر أنَّني ساحرٌ إلاَّ في هذا الحصار. هنا شعرت أنَّني نصف إله. أنقذ النَّاس بالأعجوبة وحدها. هل تعلم ماذا يعني أن تكون طبيبا في مثل هذه الشروط التي كنت فيها? لا أحد يعلم, نقصٌ في المضادَّات الحيويّة, نقصٌ في البنج, نقصٌ في الممرِّضين, نقصٌ في المازوت من أجل تشغيل مولِّد الكهرباء, كلُّ شيءٍ ناقص, وأنا أصنع العجائب. يوم عليّ سقطت الأعجوبة, ورأيت الموت وأحسست بالعجز المطلق. رأيت روحه وجلست أرضا إلى جانب جسده. أردتُ أن أدلِّك الجسد المرتجف أمامي كي أساعد الروح على الذّهاب. ولكنَّني لم أجرؤ, خفت, جلست إلى جانبه وكنت خائفا. وعندما همد جسده أحسست بما يشبه الإغماء. أحسست بحاجةٍ إلى النَّوم. كدت أنام. سمعت قرعها على الباب. عندما فتحت قالت إنَّها تقرع منذ نصف ساعة ولكنَّني لم أسمعها, لم تسألني عنه, لم تسأل. سامية كانت تعرف. اقتربت منه وألقت عليه نظرة وكأنَّها تغطيه. أخذتني من يدي وقالت لي إنَّني مُتعب ويجب أن أذهب وأرتاح. خرجت من الغرفة وتركتها معه. سمعتها تقفل الباب خلفي. لكنَّني لم أسألها شيئا. لم أسألها لأنَّني نمت عشر ساعاتٍ متواصلة. نمت كالقتيل, ولم أسمع القذائف ولم أحلم بشيء.
    الطبيب اليونانيّ يدلّني على المستشفى. أرى غرفاً شبه محطَّمة وستائر مفتوحة وكأنَّها معلَّقة في الفراغ. أمشي إلى جانبه وهو يريني غرفة الأدوية. أشمُّ رائحة الدَّواء وأسأل عن غرفة العمليَّات, والطبيب يبتسم. سامية لم تتكلَّم, كانت تنظر إلينا. سمعته وهو يروي لي كيف مات عليّ ولم تقل شئيا.
    كانت تشرب قهوتها وتضع يديها الاثنتين حول الفنجان وكأنَّها تدفئهما, وتبتسم. رأيت ظل ابتسامة صغيرة على شفتيها.
    تكرَّرت هذه الابتسامة في ذاكرتي إلى ما لا نهاية.
    طبعا رحل الطبيب اليونانيّ إلى كندا أو إلى بلادٍ أخرى, لست أدري, وعليّ بقي في مكانه, جسده يرتجف, وروحه تمتدّ فوق المكان, وأصوات قذائف مختنقة تملأ الفضاء.
    أمَّا شرفة جورج نفَّاع فكانت كأنَّها معلَّقة وحدها في الفضاء.
    غبار, وهذا الدّمار الذي يلفّ الوسط التجاريّ في بيروت, والنَّاس يمشون بين الخرائب وكأنَّهم يفتِّشون عن مدينتهم الضائعة, أو كأنَّهم يكتشفونها. وعلى جانب الشّرفة برزت الدمية, دمية امرأة عارية جسدها ورديّ وشعرها أشقر, ويدها اليسرى مكسورة, واليمنى ممدودة, تلتفت منحنية إلى الخلف وسط صناديق كرتونيّة ممزَّقة, وأثاث محطَّم, ويبدو أنَّها وضعت على الشّرفة كي يتخلّص منها الذين دخلوا الشّقّة لسرقتها.
    (إنَّها شركسيّة, انظر), قالت مريم.
    كانت الدّمية شركسيّة, هكذا كان النَّاس يرون الشَّركسيَّات, شقراوات الشَّعر بأجسادٍ بيضاء تميل إلى اللَّون الوردي.
    كنَّا ننحدر من كنيسة (الكبُّوشيّة) باتّجاه شارع البطريرك حويِّك, ونحن نبحث عن مطعم (لوكولوس), حين رأينا الدُّمية الشَّركسيّة على شرفة جورج نفَّاع.
    (إنَّها وداد البيضاء), قالت مريم.
    مشينا باتّجاه شارع الحويّك.
    (هنا مات خليل), قلت لها.
    (أنت تنسى), قالت, (لقد روت لي ذلك ألف مرّة).
    ماذا أكتب?
    (أين الخلل?), سألتها.
    (لا شيء), قالت.
    ونزلت الدمية. كانت مريم تحاول أن تركض باتّجاه الشَّارع حين رأت الدمية. لم تكن دمية, بل امرأة. امرأة في السَّبعين من العمر, بيضاء بيضاء, كانوا يسمُّونها المرأة البيضاء, هكذا روى جورج نفَّاع عن زوجة أبيه. قال إنَّها البيضاء, وقال إنَّ والده أشهر إسلامه من أجلها. في البداية لم تكن الحكاية جدِّيّة. كان إسكندر نفَّاع شريكا لليهودي وديع السّخن في محلّ القوميسيون الشَّهير, الكائن قرب مكتبة أنطوان, خلف ساحة رياض الصّلح.
    وجاءوا بها.
    كانت فتاة لا تتجاوز الثالثة عشرة, تبدو مذعورة وخائفة ولا تتكلَّم العربيّة. واشتراها. في تلك الأيَّام, كانت مجموعة من التُّجار وقطَّاع الطرق تعمل بين بيروت والإسكندريّة وروسيا, تخطف الفتيات أو تشتريهنَّ, وتبيعهنَّ في أسواق الرّقيق الأبيض في القاهرة ودمشق وبيروت. كان ذلك سنة 1920, سنة إعلان دولة لبنان الكبير, وبيروت تنفض آثار الحرب العالميّة الأولى, وذكريات المجاعة التي لم تنجُ منها عائلة نفَّاع إلاَّ بفضل حرص نسيم والد وديع السّخن, وشريك إسكندر, وقدرته على تهريب القمح من حوران, وبيعه لبعض العائلات الغنيّة في بيروت.
    جاء إسكندر نفَّاع إلى بيته, وكان في الخمسين, ومعه الفتاة الشَّركسيّة المذعورة التي اشتراها. لم يقل لزوجته مدام لودي إنَّه اشتراها. قال إنَّها خادمة. ودخلت الخادمة البيت وبدأت الحكاية.

  9. #9
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    العاصمة AD
    المشاركات
    4,473
    معدل تقييم المستوى
    84

    رد: رواية مملكة الغرباء

    [align=center]



    متابعيــــــــــــن


    تسلم يمينج الغاليــــــــــــــة


    [/align]
    [SIZE=3][FONT=Arial]نَآخـذْ مِنْ الصدمَـآتْ وَ نرميْ ورآنَــا

    [COLOR=white]....................[/COLOR] وَ نمشيْ الـطريقْ الـصَعبْ ونقُولْ

    [COLOR=red]"[/COLOR][COLOR=dimgray] هآآآنــتْ [/COLOR][COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white].................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=gray]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR]
    [COLOR=red][COLOR=white]...................................[/COLOR]"[/COLOR] [COLOR=silver]هـآآآنـــتْ[/COLOR] [COLOR=red]"[/COLOR][/FONT] [/SIZE]

  10. #10
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: رواية مملكة الغرباء

    شاكرة إطرائك الجميل،،
    ولك باقي الروايــة،،

المواضيع المتشابهه

  1. السجينة .. رواية رائعة‏
    بواسطة رذاذ عبدالله في المنتدى الأخبار الادبية والثقافية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 20 - 10 - 2009, 12:23 PM
  2. رواية “ثلوج منتصف الليل” لبكر السباتين
    بواسطة رذاذ عبدالله في المنتدى الأخبار الادبية والثقافية
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 25 - 9 - 2009, 09:49 PM
  3. ملك بدون مملكة تحت ضوء الاعتراف !!!
    بواسطة Time_Racer في المنتدى لمن يجروء فقط ( كرسي الاعتراف )
    مشاركات: 55
    آخر مشاركة: 11 - 7 - 2008, 06:51 PM
  4. ...مملكة تونجا~-...
    بواسطة الطنيجي ستارليت في المنتدى مجلس السفر والسياحة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 10 - 7 - 2008, 01:34 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •