[mark=#ff0000]من كـان يتخـيَّل أنـنا سنبـقى وحلب ستـموت؟
أمل هنانـو
* السفير اللبنانيــة[/mark]
المدن كالأحلام مصنوعة من الرغبات والمخاوف، حتى لو كان خطابها سرياً، وقواعدها حمقاء، وطموحاتها ملتوية، وكل شيء فيها يخبئ وراءه شيئاً آخر.
في كتابه «مدن غير مرئية»، يقدّم الكاتب الإيطالي كالفينو قصة بطله المغامر ماركو بولو الذي كان يروي لإمبراطوره قوبلاي خان، حكايات عن مدن وإمبراطوريات شاسعة باتت خراباً. ليكتشف الإمبراطور، مع الوقت، أن مدن ماركو ليست سوى مدينة واحدة، مدينة متخيّلة، تفنّن المغامر في وصفها. قد وصفها كل مرة من زاوية مختلفة، حملت معها نظرة مغايرة للسابق ليبدو الأمر وكأن المقصود مدينة أخرى.
كل مدينة معلّقة بين الواقع والخيال، مرتكزة على منظومة قواعد غبيّة، تذكر القارئ أن المدينة يمكن فهمها فقط عبر لقطات مجتزأة، كل لقطة منها ترصد شيئاً أو قصة أو ذاكرة.
على امتداد عقد بأكمله، قرأت، مراراً وتكراراً، رواية «مدن غير مرئية». قبل الثورة السورية، كانت أشعار ماركو مرتبطة بالجانب المتخيّل في الذهن، لكنني هذه المرة، عندما لجأت مؤخراً إلى الكتاب، بحثاً عن اقتباس معيّن، بدأت بقراءته بطريقة مغايرة... على وقع مشاهد الموت اليومية التي تحملها المدن السورية، الحقيقية للغاية.
للمرة الأولى، شعرت بكلمات كالفينو منفصلة عن الخيال، بعد أن ارتبطت المدن السورية بخطوط المدن غير المرئية. وهكذا أنصت، مع قوبلاي خان، إلى روايات ماركو لأفهم كيف تصبح المدن الحقيقية غير مرئية.
في الواقع، باتت مشاهدة الموت في سوريا من الماضي. حان وقت التعلّم. الموت فجائي، هو أقصر من تسجيل مصوّر يُبثّ على «يوتيوب». الموت رجل ملفوف بكفن أبيض، تحيط برأسه شرائط بيضاء، وتحشو أنفه رقائق قطن بيضاء. الموت هو كاميرا تحوم فوق أجساد أطفال مكدسة فوق بعضها البعض، في خطوط طويلة لا تنتهي. موت السوريين المكدسين بهذه السرعة الخارقة بات عصياً على الفهم، في ظلّ 40 ألف جثة على الأقل فقدت خلال سنتين.
لكن موت المدينة أمر مختلف. هو موت بطيء، موت كل حارة مؤرشف قنبلة وراء قنبلة، حائطاً إثر حائط، وحجراً فوق حجر. أن تكون شاهداً على موت مدينة أمر يفوق القدرة على الاحتمال. وبعكس أخبار الموت البشري، التي تأتي متأخرة جداً ودائماً بعد وقوع الحدث، موت المدينة يبدو كواقع يمكن منعه، كما لو بالإمكان إنقاذ المدينة من براثن الدمار. ولكن ذلك يكون محض أوهام: المدن المتحركة لا يمكن إنقاذها. وهكذا تراقب، بعجز تام، كيف تتحول المدن إلى ركام.
هذا الركام يُقدّم لنا عادة في قالب شاعري رومانسي. وكسياح يزورون مدناً بعيدة، الكاميرا تتدلى من رقبتهم والدليل السياحي بين أيديهم، ننشد الجمال في الغبار الذي يحوم فوق حضارة ميتة. نحاول استحضار ما كانت عليه من قبل، قبل أن تتفتت الامبراطوريات وتتحول الأشياء الحية إلى خردة بالية. هذا النوع من الرومانسية لا يحتمل رفاهيته سوى من كان بعيدا في الزمان وفي الجغرافيا. في فترة الحرب، الركام في طور التشكل لا يكون جميلاً. لا يشبه الوضعية التخيلية للتأملات الفلسفية لجنون الرجال. عندما تكون شاهداً حياً عليه، عندما يكون حقيقياً، وعندما يحصل لمدينتك، يصبح وقعه مختلفاً تماماً.
من اللحظات المحبطة التي تكتشف فيها أن تلك الإمبراطورية، التي خُيّل لنا أنها مجموعة من العجائب، قد تحولت إلى خربة.
حلب... مكان لا شبيه له
أن تكون من حلب يعني أنك آت من مكان لا شبيه له في مختلف أنحاء العالم. هنا، نحن نمشي على التاريخ العميق، قد لا نكون فهمناه، لكننا تعلمنا ببساطة أن نسمي هذا المكان، الأقدم من أي مكان آخر، المنزل. كبرنا هنا ونحن ندرك أننا الطبقة الأرفع من الغبار التي تغطي الطبقة الجيولوجية الأضخم للممالك والإمبراطوريات والأجيال، التي عاشت بين جدران منزلنا. علمنا من دون شك، في وقت مبكر، أننا لسنا سوى ومضة من عين مدينتنا.
أن تكون من حلب يعني أنك كنت واقعاً في أزمة: كنت تظن ألا شيء هنا سيتغيّر. وبالنسبة إلى بعض الناس، يصبح العيش في مدينة لا تتغيّر أبداً أمراً شاقاًً. رتابة المدينة وعدم قدرتك على ترك بصمة فيها يدفعك إلى مغادرة حلب، باحثاً عن التغيير. وبعد مغادرتك، وأينما كنت تدرك جيّداً أن حلب هناك، تنتظرك كما تركتها بالضبط. في المقابل، تكون أنت من يعود كل مرة بطريقة مختلفة، شهادة جامعية، زوجة، أم، في كل مرة بفخر أكبر حاملاً أفكارك الجديدة وهويتك لمدينة تنتظرك بصبر.
حلب هي إحدى مدن كالفينو، مدينة المآذن حيث «القمر ينام اليوم على واحدة، وفي اليوم التالي على أخرى». إنها مدينة الكنائس والمعابد والتذكارات وقبور الصالحين. إنها المدينة حيث تختلط التوابل الأرمنية مع الاذواق التركية. إنها مدينة حيث اللغة العربية والكردية والأرمنية تتماشى سوية، مع بعض العبارات الفرنسية المتناثرة هنا وهناك. إنها مدينة التجارة والصناعة، حيث الرجال يتفانون في التفاوض والمساومة في الأسواق ذاتها التي ورثوها عن آبائهم. إنها مدينة حيث النساء يمشين بكعوب عالية وسراويل ضيقة إلى جانب نساء بمعاطف سوداء طويلة وأغطية رأس بيضاء. والكل يعلم جيداً أنه ينتمي للمكان ذاته: حلب.
قبل فترة، قال لي أحدهم وهو ليس حلبياً: «عندما تسافرين إلى حلب، لا تستطيعين رؤيتها إلا عندما تصلين إليها». لم ألحظ ذلك من قبل. ربما لأنني كنت دائماً في الداخل، لم أبحث يوماً عنها عندما كنت أعود إليها. لم أشك بأنها ستكون هناك دائماً، بالضبط كما تركتها، لم تُمسّ ولم تتغيّر. ولكنه كان على حق، حلب كانت مدينة باطنيّة، ترى العالم منعكساً في ذاته. ولأننا عشنا فيها لأجيال، أصبحنا على شاكلتها.
أما قلعة حلب فتنتصب على تلة بيضاوية في وسط المدينة. إلى هناك تصطحب كل زائر يطأ المدينة. تقوده تحت أشعة الشمس الحارقة، وتعده دائماً بأن الهواء من الداخل سيكون أكثر انتعاشاً. وهو كذلك. من فوق، تفتح ذراعيك للمنظر المهيب، حيث مدينة الحجارة والمآذن تنتصب أمام أعين الضيف، كما السحر. وهي اللحظة التي تنتظرها لتلتفت نحوه وتقول بكل ثقة وفخر: «أنا من هنا. إنها مدينتي».
اليوم، لم تعد القلعة مدعاة للفخر أمام الضيوف، ولا موقعاً محمياً من «الأونسكو». لقد استعادت دورها الطبيعي، في المعارك المحتدمة بين أبناء سوريا.
أرض المآذن مقطوعة الرأس
باتت حلب أرض المآذن العارية والفتيات الصغيرات المقطوعات الرأس. في كل تسجيل مصور يبدو أن هناك حلقة مفقودة، شيئا محطما، شيئا لا يمكن إصلاحه. تدرك كنه الأشياء عندما تتحطّم، الصداقات، الحب، الشعوب، وحتى المدن. تعلمت من مشاهدة الثورة أن الأشياء عندما تكون محطمة تشغل مساحة أكبر. اليوم تحولت سوريا إلى أزمة إقليمية تتصدّر صفحات الصحف والمناقشات السياسية الدولية، والمنتديات الإعلامية التي تعجّ بملايين الكلمات والصور.
أمام الدمار تدرك، ولو بعد فوات الأوان، مدى هشاشة كل شيء: العظام، الحجارة، الجدران، المباني، المدن. عملية إدراك الدمار والتغيير الذي يرافقه تأتي على دفعات، حينها ينبغي عليك إدراك أن أماكن طفولتك القديمة قد اندثرت إلى الأبد. المساحات السوداء من المدن تلتقي آنذاك مع المساحات السوداء في داخلك.
يقول صديق طفولة متحسراً: «عندما كنا نزور المدينة القديمة في حلب لم نكن نلتقط الصور. من كان ليفكر بالتقاط صور في حلب؟». وهذا صحيح، صوري هناك كانت كلها برفقة زوار. وقد ازدادوا مع الوقت، عندما تحولت زائرة بدوري. من كان ليتخيّل اننا سنبقى وهي التي ستحترق؟
منذ بداية الثورة انقسم سكان حلب، على عكس المدن الأخرى مثل درعا وحمص وحماه. الحلبيون لم ينضموا إلى الثورة عن طيب خاطر. يشبه أهالي حلب الكثير من سكان مدن كالفينو المصابين بفقدان للذاكرة. نسوا أن الصمت والخوف لم يعودا عملة رائجة في سوق ما بعد الثورة السورية.
نسمع شائعات مفادها أن آثارنا تترك سوريا لتعيش في منازل أخرى، حيث الناس يخبرون أطفالهم حكايات عن مكان كان موجوداً، قبل أن يصبح غير مرئي. قبل أن يموت.
حلب، كما مدن كالفينو، امرأة. اسمها الكامل حلب الشهباء، على اسم حليب بقرة النبي ابراهيم، رمادية اللون. وليس مفاجئاً أن اسم حلب يحمل في طياته الاثنين، المقدس والدنيوي. إنها مدينة الحليب والرخام، لا شيء يروي روح حلب أكثر من حجارتها ومطابخها. اليوم، تحولت حلب إلى مدينة للرماد والدم. تحولت مدينة الحليب إلى اللون الرمادي والأسود. أما الأبيض فقد اختفى، ما عدا الظاهر من خطوط الدموع المالحة على وجوهنا الرمادية.
خلال الحرب نتعلم أن ننظر إلى مدننا على أجزاء، كل جزء يكشف شيئاً مستوراً من أنفسنا لم نكن نعرفه. كل يوم نُدفع إلى مواجهة تلك الأجزاء المظلمة في دواخلنا التي اعتقدنا بسذاجة انها موجودة فقط لدى أناس آخرين. الآخرون فقط يقتلون بعضهم البعض، والآخرون فقط يضربون بالقنابل الأناس الأبرياء، الآخرون فقط من يغتصبون ويعذبون الأطفال. هذه الممارسات، اعتقدنا أنها لا تمثلنا. لم نكن يوماً، ما نحن عليه اليوم.
يسألني أصدقائي غير السوريين السؤال الأكثر إيلاماً: «لماذا يقتل بعضكم بعضاً؟»، عادة أسهب في الشرح، أستخدم يدي في التوضيح، لكنني أتفادى النظر في العينين مباشرة، أقدم براهين تاريخية ومنطقية عن الاستبداد والقمع والثورة والحرية. ولكنني لا أقول لهم، بعيداً عن اللطف، أو الرحمة، لأن ما أصبحنا عليه خلال الأشهر الماضية بات يرعبني. لا تظنوا، ولو لثانية واحدة، أن مدنكم آمنة مما يحصل في بلدي ومع أصدقائي. ولا أي واحد منكم.
بلدنا مريض ونحن مثله مرضى
بلدنا مريض، ونحن مرضى به. والدتي تقول لي إنها تشعر أنها غريبة في بلدان أناس آخرين، كما أولئك الغرباء المتواجدون في منزلنا. والدي يحتفظ بمفتاح المنزل في جيبه، يظن انه سيعود، لكن العودة باتت الآن أشبه بالحلم المستحيل.
كان مقدّراً لنا أن نحيا ونموت في حلب التي لا تتغيّر، تماماَ كما فعل أجدادنا قبلنا، ولكن بدلاً من ذلك كسرنا قوانين الطبيعة.
لا أحد يعرف أفضل منك أنه من غير الممكن الخلط بين المدينة والكلمات التي تستخدم لوصفها. ومع ذلك يبقى هناك نوع من الاتصال بين الطرفين. في مرحلة معينة كسرت الثقة بين ماركو بولو وقوبلاي خان. فالراوي والمستمع كانا قي عالمين مختلفين. قوبلاي خان كان يشك في أن ما يرويه ماركو مجرّد خيالات. فهل تلك المدن وجدت حقاَ، كان يسأل، أو انها من خيال الراوي؟
المدن حقيقية ومتخيّلة في آن. في حالات السلم، تكون هي بمثابة الحاضنة، تستوعب أناك، تنتظر أن تسترعي الانتباه عندما يزورها أحد، بينما نطرق بكعوبنا العالية على إسفلتها من دون تقدير. يحلم أبناؤها دائماً بمكان خارج هذا المكان حيث إمكانية الهرب من الماضي والتحول إلى شخص آخر تبدو أسهل. لا يخطر في بالهم يوماً أن المدينة هي من ستصبح في خطر، غير آمنة وضعيفة، لا يفكرون ولو للحظة أنه في يوم ما ستكون مدينتهم، وليس هم، من يحتاج للإنقاذ. في الحرب، تصبح المدينة ثمينة، كل حجر فيها يرسخ في الذاكرة. تطاردك روائح المدن ونكهاتها وأماكنها. تتمسك بكل ذكرى لكل مكان زرته في المدينة وتتذكر ما كان عليه. من قبل.
تتكلم سريعاً وأنت تصف المنازل والأسلاف، تتحدث عن جيرانك القدامى وعن أجدادك وتقدمهم في أبهى صورة لا كما هم عليه اليوم... ويسألك أبناؤك، لان الأبناء يفعلونها دائماً، هل وُجدت حقاً؟ أم هي من بنات أفكارك؟ يسقط في يدك ولا تدري ما تقول، إنها الاثنين: الخيال والحقيقة. هي في لحظة حقيقية وفي لحظة أخرى متخيّلة، حتى لو كنت تحمل الصورة بين يديك والذكريات في رأسك.
وهكذا بكلماتي، المنطوقة وغير المنطوقة، جعلت مدينتي في نهاية المطاف... غير مرئية.