لعبة المرآة في السرد الروائي
ينسج الروائيّ الجزائريّ واسيني الأعرج روايته «أنثى السراب»، مُعتمداً لعبة الرسائل، التي تستغرق الرواية كلّها، حيث يعدّ فنّ الرسائل إرثاً في التاريخ الأدبيّ العربيّ، اشتغل عليه الأعرج وطوّره،
كان قد ظهر اتّكاؤه على هذا الفنّ في روايات سابقة له، وإن كان بشكل جزئيّ مُستبطن، لكنّه في روايته هذه يعتمد بشكل مطلق على الرسائل، التي تختزن الكثير من الأحداث، تتخلّل السرد الشاعريّ الذي يلازمها حتّى النهاية.. تحتلّ حيّز الأحداث، تصبح هي الحدث الأبرز في كثير من الصفحات.
يكون هناك تبادل للرسائل بين شخصيّتيه الرئيستين: «واسيني الأعرج» و«ليلى/ ليلي/ مريم». يجعل الروائيّ من نفسه بطلاً لروايته، وهذا ما يقرّب الرواية من السيرة الذاتيّة التي يفصح بأنّه يدوّنها في هذه الرواية، ولاسيّما أنّها جاءت بعد مدّة الاستشفاء التي قضاها في المشفى، كأنّ تلك المدّة كانت كفيلة بدفعه إلى البوح بما كان يحرص على إخفائه وتغليفه بتسميات مختلفة. تحمل الرسائل كثيراً من الشيفرات، التي تكون مكتوبة بالدم والدموع والآهات والجنون معاً.. وذلك من خلال ما يضفيه الحبر من شهوة للكتابة، وما تزيّنه الأوراق البيضاء من فتنة يصعب اجتنابها..
تسعى المرأة الحقيقيّة ليلى أو ليلي، كما يناديها عشيقها، إلى الاقتصاص من مريم التي كانت امرأة ورقيّة تقتل كائناً من لحم ودم. أي تسعى إلى إعادة الأمور إلى طبيعتها، بعدما كان واسيني قد مارس تلاعبه الأدبيّ الروائيّ بها طيلة ربع قرن من الزمن، تعيد إلى ليلى ما سلبته منها مريم.. تؤكّد أنّها لن تكون مجرّد قناع للتراجيديّة الجميلة التي عاشاها معاً، كما تقرّر أنّها ستلعب اللعبة نفسها التي بدأها، وأنّها ستجعل من رسائلها فراشها الأخير للحياة والموت.. يختار الروائيّ واسيني الأعرج لروايته «أنثى السراب» عنواناً فرعيّاً هو «السكريبتوريوم»، مع جملة ملحقة «في شهوة الحِبر، وفتنة الورق»، و«السكريبتوريوم»، باللاتينيّة، المكان الذي كان ينجز فيه القساوسة مخطوطاتهم قبل اختراع الكتابة، وتعني اليوم، المكان المختار للعزلة من أجل الكتابة. نراه يبرّر على لسان شريكته في الرسائل، لوذه بهذه اللعبة الخطرة، التي قد تكلّفه ابتعاد القارئ غير الصبور، خاصّة أنّ هناك كثيراً من الأحداث ترد في رسائل المتراسلَين كليهما، وكلّ منهما يعلّق عليها ويفسّرها من جهته، ما قد يولّد انطباعاً بالتكرار، كما أنّ اللعبة التي تنطوي على المخاتلة والتحايل تغيّب الأحداث المحوريّة المفصليّة لصالح البوح الوجديّ، يقول في ذلك: «في السنوات التي مضت، كلّما كتبت عن الحبّ، كانت الرسائل لعبتي المفضّلة في الكتابة على الرغم من كونها لعبة غير مأمونة المسالك. لم أفعل الشيء الكثير سوى أنّي استعملت حيلة الكتابة لأجعل من المستحيل ممكناً. في قلبي رسائل أشعر بالدهشة كلّما قرأتها، ولهذا ما أنشره في الروايات هو حقيقة محاطة بأجمل كذبة هي الأدب». ثمّ تعقّب ليلى في الإصرار على نشر الرسائل: «سأنشر رسائلي ورسائله، وعليه أن يتحمّل عسر اللعبة، لأنّه هو مخترعها في الأصل، ويدرك جيّداً أنّ السحر يمكن أن ينقلب على الساحر في أيّة لحظة». ص50.
تكون الرواية حصيلة الرسائل، التي تغدو لكلّ منهما مرايا ذاتيّة وعامّة في آن، يكتشف المرء فيها ذاته، يطّلع على ما كان يظنّه منسيّاً أو مجهولاً، ثمّ تكون الكتب مرايا، أو المرايا كتباً خفيّة، فعندما يقول: «ربّما كان كتابي! أو كتابك أيضاً، مرآتك الخفيّة!». تكون هناك مبادلة بين الكتاب والمرآة، ومساواة/ موازاة بينهما، وكلّ كتاب، في النهاية، هو رسالة بشكلٍ ما، أو مجموعة رسائل، ومن هنا نجد أنّ الأطروحات الجامعيّة تسمَّى رسائل، كما أنّ كلّ كتاب مرآة، لا تغبّش أو تضبّب، بل تظهر الصورة على حقيقتها من دون مواربة أو تزوير..
يتجلّى التمرئي عبر تبادل الرسائل بين العاشقين خارج المؤسّسة الرسميّة، كلّ منهما يكمل حياته في اتّجاه، يلتقيان في هذه المدينة أو تلك، يكون بينهما مشروع مشترك، طفلة غير شرعيّة، ثمّ رواية شرعيّة متكاملة برسائلهما معاً.. نجد المرايا تتحدّث أو تختصر الأحاديث والأحداث، تكون متواجدة في معظم الحالات، فها هي ذي تكشف فداحة وجسامة الفقد: «يومها هيّأت نفسي، من رأسي حتّى أخمص قدميّ، لافتقادك، فأصبح جلدي مغطّى بقشرة تمساح. لكنّي عندما واجهت المرآة، أحسست فجأة بمدى البياض الذي خلّفته وراءك وأصبح يلفّني، بدون أن أدرك هول الفجيعة التي كانت كلّ يومٍ تتوغّل فيّ بعنف غير مسبوق». ص29.
ثمّ تكون المرايا كالبشر قاسية، تستلّ الصفات منهم، تتلبّسها: «الوقت يمرّ بشكل ضبابيّ. يقذف بي بعيداً نحو زمن لم يعد لي ولم أعد له. أشياء كثيرة فيّ، تحرّكت كلّها كالسيل الجارف، لتضعني أمام أقسى مرآة في الدنيا: مرآة الحياة، ولم تمنحني حتّى فرصة تأمّلها واحدة واحدة، قليلاً، ومحاولة فهمها». ص38.
يكون لكلّ امرئ مرآة، تتبع صفات الناظر فيها، حيث تكون «مرآة النرجسيّ عمياء، وعماها لا يُداوَى». ص86. ثمّ تكون مختزنة الصفاء والنقاء في مكان آخر: «الرؤية السحريّة فتحت في وجهي صورة أمّي كليلة القدر. أمّي كانت امرأة من نور وماء. وجهها صافٍ كمرآة قبل أن يكسرها ذهاب والدي المحزن».ص90. ثمّ تتشعّب في كلّ شيء، تهب خصائصها لكلّ شيء: «تنزلق الرمال من تحت قدمي، لكنّ صورتك ترتسم في كلّ شيء: على صفحة الماء، بين تفاصيل الرمال المنزلقة، على الصخرة اليتيمة التي يتمزّق عليها الموج الهارب من نفسه إليه». ص112.
تتعمّق الرؤى في المرآة، فتري من وراء الضباب الهارب، الكثير من الأمور، تبقى المرآة الشاهد على القتل والاغتيال، كما أنّها تعرّف وتعرّي في الوقت نفسه، فلا تخدع الناظر إليها، تبدي التعرّجات والتغضّنات كلّها، وقد تغدو وجوه مَن نحبّ/ نكره، مرايا لنا، نرى عبرها أنفسنا.. وبالمقابل تغدو وجوهنا مرايا لنا ولغيرنا.. ها نحن نجد ليلى، الامرأة الحقيقيّة التي تقتل مريم، ذاك الكائن الورقيّ الذي استلبها كلّ شيء فيها، بما في ذلك عشيقها، تكشف المخبوء: «رأيت نفسي في المرآة للمرّة الأخيرة قبل الخروج. لم أختر ذلك عن سبق إصرار وترصّد، ولكنّي وقفتُ وجهاً لوجه أمامها. تأمّلت وجهي طويلاً. كنت بدون أيّة مساحيق. أريد أن أراني قبل أن أخرج من السكريبتوريوم، مثلما أنا، لباسي البنفسجيّ الجميل. تذكّرت مريم المولعة بمرايا الآخرين. رتّبت شعري. مسحت على وجهي بالضغط عليه قليلاً لكي يسترجع حمرته الهاربة...». ص431. وحين رأت وجهاً لا يشبه وجهها، مبهم الملامح، مختلط الألوان، استنكرت ذلك المشهد، ثمّ أطلقت عليها خمس طلقات من المسدّس الذي كان زوجها قد أعطاها لتحمي به نفسها وأولادها من القتلة، حيث رأت بخاراً ملوّناً يصعد من عمق المرآة..
وبالاقتراب من النهاية التي تتفرّج فيها بمتعة وانكسار على بقايا المرآة المكسورة أمامها، كأنّي بها تنتقم لصورتها المسلوبة، تستعيد حقيقتها في الواقع، لا في المرآة/ الرواية، كأنّها وهي تحطّم المرآة، تفسح مجالاً للرواية كي تستكشف فيها قرينتها، صورتها الروائيّة: «كنت جامدة في مكاني كصخرة باردة. تمايل زجاج الخزانة المتشقّق في مكانه قليلاً، قبل أن يفقد تماسكه ويتساقط. في كسور اللحظة نفسها، لمحت بالكاد، واسيني وهو يتهاوى قطعة، قطعة، قبل أن ينتهي مع آخر قطعة زجاج نزلت من المرآة، مخلّفة وراءها خمسة ثقوب مرسومة بإتقان على واجهتها الخشبيّة». ص433. لكنّ المجريات ترغمها على التوقّف والتدبّر فيما كان، لتنقل في البحث في السؤال الذي أربكها، وهي تتساءل: «تضبّب كلّ شيء في عيني، ومع ذلك بقيت متوازنة. تساءلت في خلوة العجز والخوف من الموت: هل هو انتقام مريم المسكونة بألف جنّيّ يقف في صفّها؟ أم انتقام المرايا التي أظهرت لي ما لم أكن أريده؟». ص439.
تغدو السطوح الملساء مرايا. تعكس صوراً وأفكاراً وتداعيات... يكون عطر أنثى السراب بالمرصاد... وتختزن المرايا/ الكتب، روايات كثيرة، رسائل عديدة، تتغلغل في التفاصيل، لتلمّ بالصورة من مختلف أبعادها وجهاتها.. كما أنّ المرآة في جناسها التامّ مع المرأة تقتبس منها صفاتها، وتكسبها خواصّها، تتطوّر العلاقة الهائمة، فتكون الرواية مرآة النساءِ؛ نساء واسيني المجتمعات، أو المنبثقات من واحدة وحيدة..
«أنثى السراب»، مفصَّل آراء واسيني الأعرج في الحياة والفنّ، وهي بمثابة بانوراما لمجمل أعماله الروائيّة والأدبيّة، وهو في تثبيته مِائة وثمانية وعشرين إشارة توضيحيّة ومرجعيّة يخرج الرواية من ذاك القالب المنمَّط، ويدخلها، ربّما، في إطار الرسالة التي تستوجب وتتطلّب الإحالات والإشارات، ولعلّ هذه أيضاً مندرجة وتابعة ومكمّلة للعبة الأدبيّة التي بدأها، ونشر عبرها حقائق محاطة بأجمل كذبة: الرواية..
«أنثى السراب» واسيني الأعرج. نشرت مع مجلّة دبي الثقافيّة.
تقع في 463 صفحة من القطع الوسط.
* نقلا عن الثورة السوريــ’ـــة،،
الملحق الثقافي،،






رد مع اقتباس