ناصر الظاهري . . النجاة بالكتابة

محمد أبو عرب

* دار الخليج




استقرت الدموع عند آخر ذقنه، وتهاوت من وجهه النحيل نزولاً، تعبر رقبته الدقيقة وذلك الجسد الضئيل المستتر بقماش عفره غبار الحيّ، حتى تناثرت رذاذًا على الأرض، وتركت شيئاً يتحطم في قلب الطفل ذي السنوات القليلة من عمره . لم يكن يعلم حينها أن صفحةً جديدةً قُلِبت من حياته وستبدأ منذ اللحظة حياةٌ أخرى أكثر شقاءً وصعوبة، تصير فيها الوحدة صديقته القريبة، والعزلة والصمت، نشاطه الذي يمارسه كل يوم بتعب كامل .

سارَ مع السائرين الذين يحملون جثمانَ والدِه، بعد أن شهدَ بكاءَ النساءِ، وحرقةَ الدمع في أعينهن، عَبر الحي معهم، ليرى كيف سيوارى والده تحتَ مترين من الأرض، التي يخطو هزيلاً عليها .

كانت قاماتُ الرجال تعلوه وتبدو سامقةً أمام صغر قامته، وكان يسمعهم يبددون رهبة الموت وخوف القبر بذكر الله، فيتمتمون ويجهرون بالأدعية والتسابيح، التي خلت من دعاءٍ واحدٍ له؛ هو الطفل الذي ما أن يَلجَ والده القبرَ حتى يدخل هو قبراً آخر اسمه الحياة .

عَلم حينها أن والده، الذي كان يشقُ بخطواته طرقات القرية، ويحيي بصوته سكوت البيت، لن يرى منه بعد اليوم سوى قبر ينتصبُ في أعلاه لوحةً أسمنتية تحمل اسمه وتاريخ الوفاة .

من تلك اللحظة بدت فصول حياته تتبدل؛ إذ أعتم فيها المُضيء، وذبلَ فيها اليانع، وصارت العزلة رفيقة الدرب الوحيدة، لكن موهبة في قلب الطفل ظلت تشتعل وتنير فيه كل لحظة لتحقق حلمها رغم كل شيء، إنها الكتابة: ذلك الشيء، الذي لا يدرك كنهه، وكأنه يتحرك ويسكن، ويضج ويهدأ .

من هناك بدأت فصول الكتابة مع القاصِ ناصر الظاهري، إذ حوّل صعوبةَ الحياةِ، وفقدان والده لطاقة تدفع به نحو بياض الورق، ليترأس، بعد عقود من العمل الصحافي، الإعلام العسكري في الدولة، ويترأس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، إلى أن يشغل منصب مدير تحرير جريدة “الاتحاد” .

كل ذلك بعد أن سبقَ أسمه لقب الأديب، وبات واحدًا من الكتّاب الذين لا يمكن الحديث عن المشهد الثقافي الإماراتي من دون التوقف طويلاً عند تجربتِهم، التي امتدت لتصير تجربة تحسب في المشهد الثقافي العربي .

ولد ناصر الظاهري في عام 1960 في مدينة “العين” ودرس المرحلة الابتدائية الأولى فيها ثم أكمل دراسته في مدينة أبوظبي . وحصل على شهادةِ البكالوريوس في الإعلام والأدب الفرنسي في جامعة الإمارات في عام 1984 . ليتجه بعد ذلك لإكمال دراسته العليا في معهد الصحافة العربية في جامعة السوربون “باريس” .

تبدت ملامح الكتابة لديه عبر محاولات قصصية لم تلقَ النور إلى اليوم، إلى أن نشر أول قصة له بعنوان “حسن الحوايش، وكانت تدور أحداثها في المدينة التي رأى فيها النور - العين- حيث سجّل بعض اليوميات لبطل الشخصية الخارجة من قلب المدينة .

مرّت الكتابة لدى الظاهري بمراحلَ شكّلت شخصية قلمه اليوم، فكان لإطلاعه على الأدب الروسي في بداية مشواره، الدور الكبير في سبك قصصه، ثم بعد ذلك اطلاعه على الأدب الفرنسي واللاتيني، الذي تزامن مع سنوات دراسته في السوربون .

إلى جانب ذلك كان القلم الصحفي يصنع نفسه عند الظاهري، فمن الجنس الإبداعي، الذي اختار أن يكون نافذته، يقول منها شواغله وهواجسه - القصة -، كان ينتقل لتحرير الأخبار والتقارير، والمقالات الصحفية .

خاض الظاهري بعد ذلك تجربة شكّلت تحولاً في مشواره الصحفي، فبعد سنوات من كتابةِ العمود الصحفي، زارَ أكثر من خمسين مدينة، وسجّل انطباعاته ومشاهداته عنها، وسرد قصصها في مقالات شهرية بعنوان “تذكرة سفر” كتب فيها عن أكثر من 22 بلداً في العالم .

وبقدر ما كانت التجربة غنية كان لها أثر على مسيرة الظاهري الكتابية، إذ تبدت حينها بعض سمات نصه الأدبي، فجاءت نصوصه محملة برؤى إنسانية، ولا تغيب عنها روح الشاعر؛ لغةً وفكرة، وتكشف عن عينِ قاصٍ ماهر تجيد اقتناص المشاهد .

يقول عنه القاص الأردني خليل قنديل: “حينما يتسلح القاص بعين صقرية قادرة أولاً على التحليق في أقاصي الفضاء المكاني، ومن ثم تمتلك القدرة، وهي في علوها الشاهق هذا، على التقاط أدق التفاصيل الأرضية، ومغنطتها بتلاصق حميم، فإن القاص في مثل هذه الحالة يستحق أن يتوج قاصاً يمتلك بحق موهبة الإبداع في هذا المجال . وهذا ما ينطبق بحق على تجربة القاص الإماراتي ناصر الظاهري، منذ تجربته الأولى في مجموعاته القصصية “عندما تدفن النخيل” و”خطوة للحياة . . خطوتان للموت”، و”حالات من الليل يغشاها النهار” . حيثُ نلحظ أن تجربة الظاهري القصصية هي تجربة تذهب في العميق من البنية الاجتماعية والحياتية، التي يعيشها كي تستل نصها القصصي المواظب على الإبداع وعلى كل جديد في القص” .

شغلَ الظاهري العديد من المناصب ونالَ عضويةَ الكثير من المؤسسات الثقافية، والصحفية، منها: عضو منظمة الصحافيين العالمية، وعضو الهيئة الاستشارية لمشروع “كتاب في جريدة” عن اليونسكو .

وصدر له أكثر من عشرة مؤلفات ما بين مجموعة قصصية، ومقالات، ورواية وحيدة، وكان آخر مؤلفاته مجموعة قصصية صدرت في عام ،2011 عن اتحاد كتّاب الإمارات، بعنوان “منتعلاً الريح . . وكفاه رماد” .

ومن مؤلفاته: “عندما تدفن النخيل” مجموعة قصصية، و”على سفر نذهب بعيداً . . نذهب عميقاً” مقالات، و”خطوة للحياة . . خطوتان للموت” مجموعة قصصية، و”سما تركه البحر لليابسة” مقالات، و”العمود الثامن” مقالات، “الطائر . . بجناح أبعد منه” رواية، وترجمت بعض قصصه إلى الإنجليزية والروسية والفرنسية .