“قصة حبي” لناصر الدين النشاشيبي
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
ابتعد، ويبتعد عادة من يكتب يومياً إلى الناس الذين هم رأس ماله عن استخدام ضمير المتكلم، ولكن ليسمح لي القارئ “بفقرة” واحدة طويلة من هذا العمود لأنها تتعلق بالقراءة والعمر، فقد كنت في الثانية والعشرين ربيعاً كما يقولون أحمل حقيبة فيها الكثير من الكتب والقليل من الثياب عند نقطة حدود عربية، ومن بين تلك الكتب كتابان “صلاة بلا مؤذن” للاستاذ بكل معنى الكلمة ناصر الدين النشاشيبي، ورواية صغيرة للكاتب عبدالرحمن منيف بعنوان “قصة حب مجوسية”، وهكذا فيما كان ضابط الرقابة يفتش الحقيبة توقف مشدوداً إلى عنوان كتاب النشاشيبي، وسأل بعض الأسئلة الرقابية الروتينية ثم ختم جواز السفر، ولكنه صادر كل الكتب التي في حوزتي، وقال سنعيدها إليك بعد قراءتها .
أخذت جواز سفري ودخلت ولكن مع الثياب وبلا كتب، بعد ثلاثة شهور وصلت الكتب كلها بما فيها كتاب “صلاة بلا مؤذن” للنشاشيبي لأن الرقيب قرأ الكتاب واكتشف أن الصلاة المقصودة في الكتاب هي صلاة الرئيس المصري أنور السادات في القدس التي كان النشاشيبي يراها نوعاً من العبث والتدمير الكلي لفكرة الكرامة السياسية، ثم إن الرقيب القارئ آنذاك على تلك الحدود العربية البرية كان ذكياً وخلوقاً، فقد وصلت مع حزمة الكتب التي أعيدت رسالة اعتذار عن التأخير في إعادتها، ومن خلال هذا الذكاء وهذه الأخلاقية في إعادة الكتب إلى شاب يحب القراءة والكتابة في مطلع العشرينات من عمره خطر في البال أن رقيب الكتب ذاك هو شاب في مثل عمري وإنني أنا الذي حملت الكتب والثياب صديقه من دون أن نلتقي في أي مكان إلاّ في مكان الحدود، ودليل هذه الصداقة التي أفكر فيها الآن وأنا في الخمسين من عمري أن الرجل الحدودي الرقابي البّري قد أعاد الكتب إلى صاحبها .
احتفظ ذلك الصديق الحدودي القارئ بقصة الحب، وأعاد كتاب النشاشيبي الذي حمل القدس وحمل الذاكرة الفلسطينية . حملت الكتاب ولم أقرأ فيه بل أكلته، أكلت القراءة، ورحت أبحث عن ناصر الدين النشاشيبي في الجرائد والكتب، المقدسي النظيف .
الكاتب الصحافي المعلم، الدبلوماسي اليقظ والمتمكن من لسانه وفكره .
دلني ذلك الشاب الحدودي البّري إلى النشاشيبي فأحببت رجلاً أكتب عنه الآن هذه الفقرة الطويلة .