أزرع شتاتي في بستان
عبد الرحيم الخصار / المغرب



في الخريف يحلو التفكير في الجنة
ترسو أحلامي في ساحلك‏
و المطر الذي يسقط في البراح‏
يسقط أيضا بداخلي‏
تورق أشجار الحور و تغرد طيور فوق أغصانها‏
يشرق وجهك فجأة و تمر يدك فوق رأسي كما لو أنها سماء غزيرة.‏



أنام في سريري و أصحو على رمال بيضاء‏
ستصل سفينة من خشب معقود‏
ستلوح لي يد ما، و سأجدني هناك رفقة كائن أجهله‏
غير أني سأجثو هادئا‏
فاردا ذراعيّ للهواء الذي يأتي.‏
فيما مضى كان يؤلمني أن الأحلام التي أراها بالليل‏
أبدا لا تصل النهار‏
و اليوم بتّ مغتبطا بإرجائها‏
ماذا لو هجم الورد، و صار العالم برمته مجرد حديقة؟‏
من يقودني إليك؟‏
حدسي بأنك هناك‏
في انتظارنا نحن الحالمين بالوصول إلى قلاعك‏
أم تلك الأسرار التي أودعتها في وسادتي البيضاء‏
و تحولت إلى كوابيس ترنّ في كنائسي‏
و تخبر الأحبار الطيبين بأن الشقاء فحسب هو ما سيأتي؟‏
ربما أنا العابر الوحيد في هذه السفينة‏
و ربما أنا الأعمى الوحيد‏
لذلك لم أبصر أرتال الآخرين‏
الذين بازدحامهم قد يعجلون بالغرق.‏
أحيانا أقول لنفسي: ماذا لو جلست رفقة فتاة في حانة‏
نتقارع الكؤوس و القبل؟‏
و حينها سيان أن نزدري الحياة أو نشرب أنخابها‏
ماذا لو جعلتُ الأفاعي التي بداخلي‏
تنفخ أوداجها تحت الشمس و تهيم حيث تشاء؟‏
و أحيانا أقول لنفسي:‏
ربما الأحرى بي أن أكون في مغارة بجبل “رأس النسر”‏
قاطعا النظر عن هذه الدنايا‏
أتمتم بكلمات خفية كي أنجو‏
و أروض الأفاعي بالعراء و العطش.‏
الطائر الذي كان يرفرف سعيدا في أرجائي‏
فقد ريشه دون عاصفة‏
كان يملك منقارا و جناحين‏
و حين أصابه العقل‏
و تسربت الأفكار إلى رأسه الصغير سقط‏
و منذ ذلك العهد و هو يغطس في الغدران‏
و يعدو واثبا متوهما أنه ضفدع.‏
أريد أن أزرع شتاتي في بستان‏
كي ينمو نخيلا بدون بلح‏
يعرّش فيه أحفادي دون أن يذوقوا الطعم المرّ‏
كي تبقى الطيور التي بداخلهم سعيدة كما كانت‏
بمناقير و أجنحة ورأس يملؤه التغريد‏
بلا عقل و بلا أفكار شاردة.‏
كنت المفرد البسيط في قرية الصيادين‏
و كنت أعود تارة أتهادى‏
كرجل مخمور بين السلال‏
و تارة بسمكة وحيدة أعدّدها و أسميها غنائمي‏
لكن الوعي هو من كدّر بحيراتي‏
هو من شلّ يدي و جعلها تبدو أمام القصبة‏
كعاشق فاشل يرتجف أمام حبيبته الخائنة.‏
و ها أنت ترى‏
لا شيء في اليد‏
فأنا الرجل الذي احتضن صندوقا فارغا‏
و توهم أنه مليء بالذهب.‏
حين يخلد الآخرون للنوم‏
أصحو أنا مثل لص‏
أشحذ سكاكيني‏
و أعدّ الحبل و الخرج‏
أتربص طوال الليل‏
كي أسطو على الكلمات.‏
هل كان لزاما عليّ أن أكتب الشعر؟‏
ربما أسعدني فيما مضى أن أنطّ بين الأشجار‏
و أسبح في البرك‏
و أجدّل الورود لفتاة لم تصل‏
ربما روضت العاصفة‏
لكنها الآن تسحبني من ضيعة إلى أخرى‏
مثل جندي كسيح‏
نكلّ في شبابه بكتيبة حرب.‏
أفتح كتابك الأخير‏
و كان بالإمكان أن أفتح كتابك الأول‏
أجلس في المحراب لأفكر فيك‏
و كان بالإمكان أن أجلس أمام النار‏
أو أجثو قبالة السيدة في الكنيسة‏
أنت أردتني هنا‏
و أنا راض و سعيد‏
لأنك رفعت عني عناء أن أختار‏
لكنني واهن رغم البراكين التي ترجّ جبالي‏
وحائر مثل بذرة بوفارديا سقطت في كثيب رمل.‏
ذكرتك لماما‏
لكني رأيتك مرارا في طفولتي‏
و الآن أسألك: كيف سأصل إليك‏
أنا الحلزون الضئيل الذي تغلفه ألف قوقعة؟‏

- نقلا عن الثورة السورية،،
- اللملحق الثقافي،،