زيارة عشوائية.. مباغتة تستبيح الأسرار بقلم :أمل الفلاسي الثالثة والنصف ظهراً، منتصف الأسبوع.. ستائر نهار طويل تغفو على نوافذ الغرف.. أهل المنزل يسترقون قيلولة سريعة قبل حلول أذان عصر أحد الأيام الصيفية الطويلة..، الخدم إلى استراحة.. وكل شيء إلى سكون..

هواء باب الصالة المندفع يبعث المفاجأة في اتساع المكان.. صوت ينتهك حرمة الهدوء ويزعزع السكون، «السلام عليكم.. وينكم هل البيت؟ لا يكون راقدين؟ تغديتوا وإلا بعدكم».. الجارة العاطلة عن العمل تعتبر نفسها من أهل البيت، ولا تأبه لساعة الزيارة، ولكن لا أحد يرد..

تكرر نغمتها النشاز بنبرة أعلى حدة، تسحب ربة المنزل جسدها من على السرير.. وبخطى ثقيلة ورغبة في انتزاع هدوء المنزل من عاصفة شبه يومية.. تهب دون إنذار..

تقاطعها مرحبة بوجه تعلوه المفاجأة «هلا هلا وعليج السلام..».. تسترسل الجارة «سامحوني عاد لابدكم راقدين.. قلت أوايج عليكم.. مليت من اليلسة روحي..» «حياج الله». ونقطة على السطر.

إطلالة سريعة تذرعت بها الجارة تستمر لما بعد صلاة المغرب، يُصبح حينها المنزل ساحةً عامة. تُستباح أسراره.. ويخضع أفراده لفحص تحت عدسة المجهر.

لا بد أن تطمئن الجارة خلال زيارتها لوجود البنات في المنزل، وأن علاقة الوالدين على ما يرام..

ومن الضروري أن تتعرف إن كانت ربة المنزل أحدثت تغييراً في أثاث منزلها.. وكم كانت تكلفته. ولا بأس من سؤال عن حال الخدم.. ووضعهن الوظيفي والمادي. يتخلل تلك الجلسة عدد لا يمكن حصره من أكواب الشاي.. وحفنة من «القروضات» والكعك والبسكويت، الغريب أن الجارة تزور أهل البيت بشكل شبه يومي، ولكنها ما زالت تترقب خدمة خمس نجوم من أهل البيت على اعتبار أنها ضيفة! وإن قصّروا فأخبارهم تنشر غداً على مسامع الفريج. انتبهوا.. قد تصطحب الجارة معها صديقة جديدة دون سابق إنذار، لهدف ينكشف فيما بعد.

بعد ذلك الروتين.. يكون أرخى الليل ستائره ولا مفر من العودة للعش.

أما زوار منتصف الليل فهم الأكثر إحراجاً، فلا علامات تُشير لانقضاء وقت الزيارة، وبعد تجارب التثاؤب المتكرر.. وإطفاء أنوار المنزل، لا بد من الانسحاب التدريجي. فذلك آخر الحلول.

زيارة من نوع القصف العشوائي لا تختفي من جدول الجارة، واحدة عند أذان الظهر، وأخرى قبل العصر.. أو يمكن استبدالها بمداهمة ليلية بعد الحادية عشرة، المهم أن تحافظ على عشوائيتها.. ففي ذلك مباغتة للأسرار، وكشف لتفاصيل لا تُرى بعين الزيارة في أوقاتها المفضلة عند أهل البيت، ولا يتقن رؤيتها سوى المتطفلين من الزوار، فالاستعداد في نظرهم يحجب الرؤية.

في الثقافة الإسلامية والمحلية لا بد أن تترك زيارة الجار والصديق أثراً طيباً وتحمل معنى سامياً، من باب الاطمئنان وتفقد الحال، وفي المناسبات تبادل عبارات التهنئة وإظهار الفرح والسرور.

نفتح الأبواب أحياناً أمام زوار نراهن على ثقتنا بهم، ونستقبلهم على مدار اليوم والساعة.. ننزلق في أحاديث تخصنا ونحسب أنها تخصهم، على اعتبار أنهم من أهل البيت.. ولا نوصد الباب إلا عندما تعلو نبرة الحديث عن أسرارنا في بيوت محيطة.. عندها لا بد من وقفة على الباب، حتى لا تتسلل أخبارنا من الشباك وتتبخر بروائح المبالغة والتشويه.. بعيداً عن المتطفلين، قد نكثر الزيارة لمن نحب، ولا نأبه للأوقات المناسبة من فرط التفكير بهم، وحاجتنا الماسة إليهم، ولكن لا بد من إعادة النظر..

فكما يقول الشاعر «لا تكثّر الدّوس على خلانك يملونك.. لا أنت ولدهم ولا طفلِ يربونك !»..