http://www.youtube.com/watch?v=C13iJ8IYAdw


حدّث المزني قال : دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت : كيف اصبحت ؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلا , وللاخوان مفارقا , ولكأس المنية شاربا , وعلى الله واردا , فلا أدري أصير إلى الجنة فأهنّيها , أم الى النار فأُعزيها ... ثم أنشأ يقول

خف الله وارجه لكل عظيمة **ولا تطع النفس اللجوج فتندما
وكن بين هاتين من الخوف والرجا **وابشر بعفو الله ان كنت مسلما
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي **جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنْته بعفوك **ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب، لم تزلْ **تجود وتعفو منّةً وتكرما
اليك اله الخلق ارفع رغبتي ** وان كنتُ ياذا المن والجود مجرما
فلولاك لم يصمد لإبليس عابد** فكيف وقد أغوى صفيُّك آدما
فلله در العارف الندب انه **تفيض لفرط الوجد اجفانه دما
يقيم اذا ما الليل مدّ ظلامه **على نفسه من شدة الخوف مأتما
فصيحا اذا ما كان في ذكر ربه **وفيما سواه في الورى كان اعجما
ويذكر اياما مضت من شبابه **وما كان فيها بالجهالة اجرما
فصار قرين الهم طول نهاره **اخا السهد والنجوى اذا الليل اظلما
يقول حبيبي انت سُؤلي وبغيتي** كفى بك للراجين سُؤلا ومغنما
الست الذي غذيتني وهديتني** ولا زلت منانا عليّ ومنعما
عسى من له الاحسان يغفر زلتي **ويستر اوزاري وما قد تقدما
تعاظمني ذنبي فأقبلت خاشعا **ولولا الرضى ما كُنتُ يارب مُنعْما
فإن تعفُ عني تعفُ عن متمرد **ظلوم غشوم لا يزايل مأثما
فإن تنتقم مني فلست بآيس ** ولو أدخلوا نفسي بجرم جهنما
وجرمي عظيم من قديم وحادث **وعفوك يأتي العبد اعلى وأجسما
حوالي فضل الله من كل جانب ** ونور من الرحمن يفترش السما
واني لآتي الذنب اعرف قدره **واعلم ان الله يعفو ترحما
وفي القلب إشراق المُحِب بوصله **اذا قارب البشرى وجاز الى الحمى
حوالي إيناس من الله وحده **يطالعني في ظلمة القبر انجما
اصون ودادي ان يدنسه الهوى **واحفظ عهد الحب ان يتثلما
ففي يقظتي شوق وفي غفوتي منى **تلاحق خطوي نشوة وترنما
ومن يعتصم بالله يسلم من الورى** ومن يرجه هيهات ان يتندما


وهو القائل في انقطاع رجاءه عن الناس

إني صحبت أُناسا ما لهم عددُ ... وكنتُ أحسب أني قد ملأت يدي

لمّا بلوت أخلائي وجدتهم ... كالهر في الغدر لم يبقوا على أحد

إن غبتُ فشرُّ الناس يشتمني ... وإن مرضت فخير الناس لم يعد

وإن رأوني بخير ساءهم فرحي ... وإن رأوني بشر سرّهم نكدي


ومن الأمثال والحِكم السائرة في شعر أبي العتاهية:

أنت ما استغْنيت عن ***** حبِك الدّهرَ أخوهُ

فإذا احتجْتَ إليهِ ***** ساعةً مجَّك فوهُ

* * *

ما يُحزِر المرء من أطرافِه طرفاً ***** إلاّ تخوَّنه النقصانُ من طرفِ

* * *

يُصادُ فؤادي حين أرْمِى ورمْيتي ***** تعودُ إلى نحري ويسلمُ من أرْمي

* * *

ولرُبَّ شهوةِ ساعة ***** قد أورثتْ حزناً طويلاً

* * *

إن كان لا يغنِيك ما يكفيكَا ***** فكلُ ما في الأرضِ لا يغنيكَا

وله قصيدة بعنوان إلهي لا تعذّبني:


إلهي! لا تُعَذّبْني، فإنّي ***** مُقِرٌّ بالذي قد كانَ مِنّي!

فَما لي حيلَةٌ، إلاّ رَجائي ***** لعفوِكَ، إن عفوتَ، وحُسنُ ظَنّي

وكم مِن زَلّة لي في الخَطايا، ***** وأنتَ عليَّ ذو فَضْل ومَنِّ



أليس رجاء عفو الله ومغفرته أهم مطلب ,وأهم هدف ,لكل مسلم


يا واهبَ الخيرات هبْ لي هداية *** فما عند فقدان الهداية نافع
أقل عثرتي عفواً ولطفاً ورحمة *** فما لجميل الصفح غيرك صانع


* اذا لم ترجوا عفو الله الآن فمتى متى تذرف عيناك ، وينكسر قلبك أمام ربك .. فمتى إذن ؟

* ها هو الله سبحانه يعاتبنا فيقول : { يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } [الانفطار:6].

* نعم أيها الإنسان ما الذي غرَّك بربك حتى تجرَّأت على معصيته وتعديت حدوده ثم كبر عليك أن ترجوا عفوه ومغفرته على الرغم أن أبوابها مفتوحة أمامك ليلا ونهارا ؟ أهو تجاهل لنعمته ؟! أم نسيان لرقابته وعظمته ؟!

ما أحلمَ الله عني حين أمهلني *** وقد تماديت في ذنبي ويسترني

رحم الله من قال . لا تنظر إلى صغر الخطيئة .. ولكن انظر إلى عظمة من عصيت .
.. لا تجعل الله أهون الناظرين إليك .


* { قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر:53]. وقال : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا الفرقان:68،70].

يا له من فضل عظيم ، ويا له من مكسب كبير ، يبدل الله جميع سيئاتك حسنات ... الله أكبر ! إنه لا يفرط في هذا المكسب إلا جاهل أو زاهد في الفضل .

{ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } . ثم استمع إلى ما قاله حبيبك صلى الله عليه وسلم تشجيعاً لرجاء عفوه : (( لله أشد فرحاً بتوبة عبده ... )) الحديث [متفق عليه ].

وقال صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تعالى : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أُبالي ، يا ابن آدم ، لو بَلَغَت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي )).

وقال صلى الله عليه وسلم : (( يقول الله تعالى : يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم )).

وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها )).

وعندما رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تبحث عن ولدها في السبي فلما رأته احتضنته وألقمته ثديها ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أترون هذه ملقية ولدها في النار ؟)) قالوا : لا ، قال : (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها )).

الله أكبر .. هل بعد هذا الفضل نتقاعس عن رجاء عفوه ؟!! هل بعد هذا الجود نسوِّف في التوبة ؟! اللهم سبحانك ما أرحمك ، سبحانك ما ألطفك ، سبحانك ما أجودك .

وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام

فكن ذا عزةٍ بدينك وعزيمة صادقة على الخير والاستمرار عليه ، متوكلاً عليه سبحانه ، ثم تذكر رحمة ربك وسعة مغفرته .

قبل أن يُغلق الباب حدِّد – الآن ولا تسوف – .

ويا لها من سعادة ، ويا لها من فرحة يفرح القلب بها ويسعد حينما يرجع إلى ربِّه نادماً ويلحق بركب الصالحين .. ووالله إنها السعادة التي لم يذقها إلا من جربها .
ا
قال تعالى : )و أن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم و إن ربك لشديد العقاب( 6 الرعد

الله الله سبحانه ذو عفو و صفح و ستر للناس مع أنهم يظلمون و يخطئون بالليل و النهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء و الخوف كما قال تعالى )أن ربك لسريع العقاب و إن ربك لغفور رحيم( إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء و الخوف و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: (لولا عفو الله و رحمته ما هنأ أحداً العيشُ، و لولا وعيده لاتكل كل أحد).

حولك أعداء كثيرون من شياطين الإنس والجن, والنفس الأمارة بالسوء, وهؤلاء الأعداء يحسنون القبيح , ويقبحون الحسن ، ويدعون الإنسان إلى الشهوات , ويقودونه إلى مهاوي الردى, لينحدر في موبقات الذنوب والمعاصي .

ومع وقوع المعصية من ابن آدم فقد يصاحبه ضيق وحرج , وشعور بالذنب والخطيئة, فيوشك أن تنغلق أمامه أبواب الأمل, ويدخل في دائرة اليأس من روح الله, والقنوط من رحمة الله, ولكن الله العليم الحكيم , الرؤوف الرحيم ، الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير, فتح لعباده أبواب العفو والمغفرة , وجعل فيها ملاذاً مكيناً, وملجأ حصيناً، يَلِجُه المذنب معترفاً بذنبه, مؤملاً في ربه, نادماً على فعله, غير مصرٍ على خطيئته، فيكفر الله عنه سيئاته, ويرفع من درجاته .

إن عفو الله يفتح أبواب الأمل لكل عاص , وتبين سعة رحمة الله , وقبوله لتوبة التائبين, مهما عظمت ذنوبهم وخطاياهم , إذا صدق الإنسان في طلب العفو , وسلك الطرق والوسائل التي تعينه عليها , ومن ظن أن ذنباً لا يتسع لعفو الله , فقد ظن بربه ظن السوء, فعلى العبد أن لا ييأس من رحمة الله , وكما أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب , فكذلك القنوط من رحمة الله , قال عز وجل : { ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } (يوسف: 87) .

وكما أن العفو والصفح والمسامحة فى بني أدم مرتقى عال لا يستطيع بلوغه إلا الذين انفتحت مغاليق قلوبهم لهدي الإسلام، وتفاعلت نفوسهم بأخلاقه السمحة، فآثروا ما عند الله من مغفرة وثواب وتكريم على ما هجست به النفوس من حب الانتصار والانتقام والانتصاف.

ولقد سلك القرآن الكريم أبرع أسلوب في دفع النفس الإنسانية إلى ذلك المرتقى العالي الصعب، إذ قرر أن الذي أصابه البغي له أن ينتصر لنفسه ويرد عنها البغي والعدوان؛ ذلك أن جزاء السيئة سيئة مثلها، ولكنه لم يدع الإنسان الذي أصابه الحيف والبغي من أخيه لعاطفة التشفي والانتصار والانتقام، بل أخذ بيده برفق إلى مرتقى الصبر والغفران والتسامح، وأكد له أن بلوغ ذلك المرتقى من عزم الأمور ولكن بعد ثبوت الحق لصاحبه

{والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاؤا سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (الشورى: 40-44).

وهناك صوركثيرة من العفو يأتي في مقدمها موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة وجمع أهلها ثم قال: <ما تظنون أني فاعل بكم>؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فقال صلى الله عليه وسلم: <اذهبوا فأنتم الطلقاء>·

وحينما اجتاحت موجة الحزن نفس أبي بكر لما سمع من حديث الإفك، تلوكه بعض الألسنة الآثمة، فتنال من ابنته السيدة عائشة أم المؤمنين، آلى على نفسه أن يقطع عونه عن أولئك الجاحدين للفضل ممن خاضوا في هذا الحديث الآثم، وقد سجَّل القرآن الكريم هذا الموقف في سورة النور: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) النور:22·

ولقد همَّ أبوبكر رضي الله عنه أن يتخذ موقفاً فلما دُعي إلى العفو، سارع رضي الله عنه إلى الأخذ به والإحسان إلى المسيء،

إن مجتمع المؤمنين لا تقوم المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة، وإنما تقوم فيه المعاملة بين الأفراد على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الإسلام، وحض عليه هديه العالي القويم:

{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} (فصلت: 34 - 35).

إن السيئة إذا قوبلت دائماً بالسيئة أوغرت الصدور، وأرثت الأحقاد، وأنبتت الضغائن. أما إذا قوبلت السيئة بالحسنة أطفأت أوار الغضب، وهدأت من فورة النفس، وغسلت أدران الضغينة، فإذا المتعاديان يصبحان صديقين حميمين، بكلمة طيبة، أو بسمة حانية من أحدهما، وإنه لفوز عظيم لمن دفع السيئة بالتي هي أحسن، لا يناله إلا ذو حظ عظيم، كما أشارت الآية الكريمة، بشيء من الصبر على السيئة التي ووجه بها، فصبر، وقابلها بالحسنة.

هذا هو خلق المؤمن في مجتمع المؤمنين، تضافرت الآيات الكريمة على تأصيله في نفوسهم، ومن ثم كانت تطلب من المؤمن في مثل هذه المواقف أن يكظم غيظه، ويعفو، ويصفح الصفح الجميل الذي لا يترك وراءه أثراً من حقد أو موجدة أو ضغينة.

{فاصفح الصفح الجميل} (الحجر: 85).

ولا تقل الأحاديث الشريفة عن الآيات الكريمة احتفالاً بهذا الخلق الإنساني النبيل، خلق العفو والتسامح، وحضاً على تأصيله في نفوس المسلمين، واصفة السلوك التطبيقي العالي لهذا الخلق الذي اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدوة المسلمين وإمامهم ومربيهم، داعية إلى الاقتداء به والسير على هداه:

فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى" (رواه مسلم).

كان صلوات الله عليه يتمثل توجيه رب العزة له:

{خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} (الاعراف: 199).

ويتمثل قوله تعالى:

{ادفع بالتي هي أحسن} (فصلت: 34).

فإذا هو آية فريدة من آيات الخلق الرباني، يسع الناس بخلقه العظيم، فلا يقابل إساءتهم بإساءة، بل يقابلها بخلق العفو والعرف والإعراض عن الجاهلين، ويدفعها بالتي هي أحسن:

"فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه جبذه شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء" (متفق عليه).


وبلغ من أصالة خلق العفو وعمقه في نفسه الشريفة أنه عفا عن المرأة اليهودية التي أهدت إليه شاة مسمومة،

وذلك فيما رواه الشيخان وغيرهما أن امرأة يهودية أهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل رهط من أصحابه معه ثم قال لهم رسول الله: " أمسكوا فإنها مسمومة ". وجيء بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: "ما حملك على ما صنعت؟" قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبياً فسيطلعك الله عليه، ولن تضرك. وإن لم تكن نبياً استرحنا منك. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: "لا"، وعفا عنها.

ولما عصت دوس، وأبت الإذعان لأمر الله ورسوله، جاء الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحيم الحاني السمح المشفق على العباد أن يمسهم عذاب الله راح يدعو لدوس قائلاً:

"اللهم اهد دوساً وائت بهم، اللهم اهد دوساً وائت بهم، اللهم اهد دوساً وائت بهم" (رواه الشيخان).

وكان صلوات الله عليه يغرس في نفوس المسلمين دوماً خلق العفو والتسامح، وإن قوبلوا بالصد والإعراض والقطيعة؛ إذ كان يدرك بثاقب نظرته التربوية التي زوده الله بها أن الناس يستجيبون بالخلق العالي السمح أكثر مما يستجيبون بالشدة والقطيعة والعنف، ومن ثم كان من هديه القويم لعقبة بن عامر حين قال: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال:

"يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك". وفي روايـة: "واعف عمن ظلمك" (رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات).

فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" (رواه البخاري).

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا أنه كان رجلا يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال الله عز وجل: "فنحن أحق بذلك منه، فتجاوزوا عنه" (رواه مسلم).

ألا ما أثقل هذا الخلق في ميزان الإنسان! وما أحوج هذا الإنسان إليه يوم العرض الكبير وساعاته العصيبة الشداد!

" والعفو من أسماء الله تعالى وهو المتجاوز عن سيئات عباده ، الماحي لآثارها عنهم ، وهو يحب العفو ويحب أن يعفو عباده بعضهم عن بعض ، لما عرف العارفون جلاله خضعوا ، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا ، ما ثمة إلا عفو الله أو النار ..

وإنما أمر بالعفو بعد الاجتهاد في الأعمال ؛ لأن العارفون يجتهدون ولا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً ....

قال يحي بن معاذ : ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو ...

وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة

فـعـنـد اللـقـا ذا الكـد يصبح زائلاً

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي

ويصبح ذا الأحزان فرحان جاذلاً

جعلنا الله وإياكم من أهل القبول ...


فكل منَّا مفتقر إلى عفو الله ورحمته وإحسانه إليه، والإنسان مهما سما به خلقه فإنه معرَّض إلى أن تعثر به قدمه، ولذا دعاؤنا دائماً (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)··

نرجو الله سبحانه أن يوفقنا لنشر المحبة والود والتعاون على البر والتقوى والتغلب على نزعات النفس والهوى والأخذ بأسمى الأخلاق حتى تسود هذه الروح الطيبة التي جمعتنا على غير أرحام بيننا ·

اللهم أنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ... رحماك ربنا

[glint]منقول[/glint]