بيكاسو ونجيب محفوظ على رأس القائمة الإبداع لا يعرف سن التقاعد





منذ أعوام قليلة قرر الكاتب العالمي غابرييل غارثيا ماركيز أن يتوقف عن الإبداع، خشية أن يكرر نفسه في ما يكتبه، وكان الكاتب “يوسف إدريس” من قبل قد توقف عن كتابة الرواية والقصة القصيرة، واكتفى بمقالاته الصحافية، التي كان يراها إبداعا من نوع آخر، كثيرون توقفوا عن العمل الإبداعي بإرادتهم أو دون إرادتهم، فهل الإبداع مرهون بسن معينة؟ .

هناك من يربط التدفق الإبداعي لدى الكاتب بمدى خصوبته فنيا، وبقدرته على تجديد ثقافته وفكره، فحينئذ لا يتوقف الإبداع إلا بالموت، أما إذا كان الشخص محدود الثقافة ضيق الفكر والأفق، فإنه بالضرورة سيتوقف عن الكتابة سريعا، وإن كان هذا ليس بقاعدة، يستند إليها، وإنما يتوقف الأمر على تكوين كل كاتب وقوة موهبته واستعداده لتنميتها، وتطويره لقدراته بالقراءة في شتى أنواع المعرفة والعلم والحياة، وكل هذا يتوقف على الكاتب نفسه، وليس للعمر دخل في ذلك .

لكن هذا لا ينفي وجود نماذج كثيرة لمبدعين توقفوا عن الكتابة في سن صغيرة، كما أن هناك آخرين على مستوى العالم ظلوا يبدعون وهم في أعمار كبيرة، مثل بيكاسو الذي ظل يرسم وهو في التسعين من عمره، كذلك نجيب محفوظ ظل يكتب حتى آخر لحظات حياته، حتى عندما عجزت يداه عن الإمساك بالقلم أتى بمن يملي عليه، وواصل التجديد في كتابته حتى آخر رمق فأبدع “أصداء السيرة الذاتية” و”أحلام فترة النقاهة” .

الثابت أن هناك كتاباً توقفوا عن الإبداع في أعمار صغيرة، سخطاً أو يأساً، كما أن هناك مبدعين لم نعرف عنهم شيئاً إلا بعد موتهم، وأكبر مثل على ذلك كافكا الذي اكتشفت الكثير من أعماله، بعد وفاته .

يؤكد الكاتب المسرحي محفوظ عبد الرحمن أنه ليس هناك سن معينة للتوقف عن الإبداع، ويستشهد بالفنان العالمي غوغان أحد أهم الرسامين التشكيليين في العالم، وقد ظل يعمل سمساراً في البورصة حتى سنّ الأربعين، ثم بدأ الرسم بعد ذلك وذاع صيته في العالم كله .

ويوضح عبد الرحمن أن هناك فترات في عمر الإنسان يتوهج فيها إبداعياً، ويضرب المثل بالكاتب براندللو الذي ألف مسرحياته المهمة في عامين فقط، وكانت من أروع ما كتب، في حين أن غوته له الكثير من الأعمال التي لا يتذكرها أحد، بينما الجميع يتذكر مسرحيته الخالدة “فاوست” التي كتبها بعد التسعين من عمره .

ويشير أيضاً إلى الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد الذي أبدع شعره وهو في الخامسة والعشرين، وهذا معناه أن الإبداع مثل الحياة التي لا أحد يعلم متى تبدأ ومتى تنتهي .

ويرى الكاتب بهيج إسماعيل أن الإبداع لا ينقطع عن المبدع مادام يملك الدهشة أمام قضايا الوجود، أي أن الطفل بداخله لا يزال مستيقظا، وأكبر الأمراض القاتلة لهذا الطفل المندهش هي العادة والتبلد والتعود، فمادامت أحداث الوجود تستفزه وتثيره فهو قادر على العطاء .

المبدع الحقيقي على حد تعبير إسماعيل يمتلك مشروعاً كاملاً لإبداعه، تشحذه وتعمقه رؤيته للحياة واستمراريته فيها، فالتقدم في العمر قد يكون في مصلحة نضج المبدع أو العكس، فقد تخفت ثورته ويتحول التوهج إلى رماد، وأحيانا أخرى مع تقدم العمر تتدخل عوامل فيزيقية أخرى كضعف الذاكرة، وفقدان الشهية في الحياة ذاتها .

ويصف إسماعيل الإبداع بشكل عام بأنه شعلة نارية لا تهدأ ولا تخبو بسهولة، ومع ذلك هناك عامل مجتمعي يؤثر في المبدع وهو اليأس، الذي يصيب بالاكتئاب، فيرتدي نظارة سوداء تجعله لا يرى شيئا على الإطلاق .

أما الناقد والفنان التشكيلي عز الدين نجيب فيشير إلى أن الكاتب لا يعرف سن التقاعد، لأن الإبداع يأتي من الداخل، والذي يشيخ هو الجسد، وعندما يزيد المبدع فهماً للحياة وإدراكاً لما حوله، وكلما تقدم في العمر زادت حكمته وخبرته وأصبحت رؤيته أكثر صفاء ونقاء ووضوحا، ولا يحتاج إلى تفاصيل كثيرة، وكل هذا يخرج في النهاية في صورة قصة أو قصيدة أو رواية أو مسرحية أو لوحة أو مقال نقدي .

ويستشهد نجيب بالفيلسوف الألماني غادامر الذي توصل إلى فكرة ما بعد الحداثة وهو على أعتاب المئة عام من عمره، كما أن الفنان صلاح طاهر ظل يرسم وهو في السادسة والتسعين، على الرغم من تدهور صحته .

ويؤكد الدكتور يحيى الرخاوي أن جذوة الإبداع يمكن أن تنطفئ لدى البعض بعد فترة قصيرة من الكتابة المتوهجة، وهناك من يستمر حتى نهاية العمر حاملا هذه الشعلة في صدره وفي قلبه، وتوافقه في الرأي الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع وإن كانت تؤكد أن الكاتب يتأثر بالصحة النفسية والبدنية، وبالظروف المحيطة بالإنسان .

وتشير كريم إلى أن المجتمعات المتحضرة تهيئ السبل للمواهب، لأنها تضع عينها على المستقبل، في حين أن مجتمعاتنا لا تعترف بالإبداع أساسا، وهذا هو الفارق بين المجتمع الصحي السليم وغيره من مجتمعات قائمة على الاستخفاف بالمبدعين .