بقلم :طالب شاهين

التعامل مع الحاضر من خلال الأخذ من طرفي الماضي والمستقبل، يدخل في خانة الضرورات أحيانا، خاصة عندما تطبق عليك لحظة الواقع حد الخنق، في شكلها الجمعي أو حتى الفردي الخاص، ولم لا وهذه المتواليات من الأحداث لا تنفك تضرب على أوتار القلق، وهي تتسارع مع هذا الزخم من التدفق المعلوماتي الذي لا يمكن نزع الدسومة العاطفية منه، أو تحييد العقل من مفردات الانكسار التي يحملها هذا التوالي الذي لا يعرف فضيلة التوقف.

هو إذن، من نبل الصفات أن تتحدد ماهية الواقع باعتماد رياضة السير بخطى ثابتة، لكن هذه المرة إلى الخلف، فما بين القهقرى إلى الماضي والقفز في اتجاه المستقبل، لحظة الوعي التي تقي من الولوج إلى الآتي، بخطايا الفعل المبتور عن التجربة بكل فعلها في لحظة الحدوث.

ماضينا بالمطلق حيز من الفعل الحسن، وإن شابته كدرات الأنانية البشرية، وهي مغفورة في حدها الأدنى، بل لنعطي هذا الذنب الماضوي صك البراءة نظرا لانقضاء المدة، وحتى لا نظل في حياكة دائمة للآلام، لكي نبرر إخفاقات المرحلة الآنية على أساس إلصاق الخيانات بالجذور. أو ليس من منطق الأشياء أن نفصل بين لحظة الاستذكار وزخم معاناة الفعل التالي، وما نقرره من هزيمة لهذه اللحظة المعاشة، دون أن نربط النتائج بما فعل في الخوالي وما نرتكبه نحن بأيدينا مع سبق الإصرار والترصد.

قديما هرب عمر بن عبد العزيز من شيء من هذا التكلف، عندما سئل عن فتنة معركة صفين وما تلاها من تصفيات للشامخين من رجال الأمة، فقال «تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلنطهر منها ألسنتنا». ومدار الأمر أن الماضي لا يمكن تصفيته من الشوائب التي تناوشته، لكن هذا لا يعني التعامل معه بالاتهام، متخذين من هذا الأمر تبريرا لشرعنة هزائم الحاضر بإرجاع الأسباب إلى الملتبس من الأصول، وهي قد تكون في بعض أوجهها حالة نفسية تتلبس المؤرخ والمنظر، كما تتلبس السياسي والمقرر في الأمور.

الماضي مراحل كما هو الحاضر، وإذن الفرق يحدث في الأدوات المستخدمة في التعبير، كأن تقول سيفا أو تقول مدفعا رشاشا، أو في مفردات مثل الديمقراطية والرأسمالية والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة، وغيرها من مسميات إذا نزع منها تعريفها الاصطلاحي وألبست تعريفها المنطقي أو لبست بأحلام التنفيذ على أرض الواقع، فتلكم الدلالات إنما تصب في النهاية في اتجاه واحد هدفه الإنسان، إما إنصافا وحرية أو قهرا وتعسفا، بلا تحديد لشكل المعالجة ما دامت النهايات واحدة لا تغيير فيها، باستثناء الألوان وقوة الإبهار الذي يمكن أن تضيفه على عموم المشهد. وللحديث صلة..