خالد مواطن إماراتي في الثلاثينات من عمره، يعمل في إمارة بعيدة عن مكان سكن عائلته، تأخذه ظروف عمله أياماً طويلة دون الأم والأب والأشقاء.. اتصالات هاتفية محدودة تكفي أحياناً لإزالة العتب، فيما المنطق الإماراتي التقليدي والأصيل لا يقبل بتلك الحالة، حتى وإن ظلت واقعاً إجبارياً فرضته متطلبات الحياة في جانب العمل والوظيفة، وفي النهاية للضرورة أحكام.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250779527767&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
هكذا هي الأيام، تأخذ من أصحابها ما لا يقبلون به لو أتيح لهم القرار، لاسيما في مجتمع لا يزال يتشبث بتقاليده وأعرافه وعاداته بإصرار وافتخار.. اللقاء شبه اليومي بين الآباء والأبناء ضرورة إماراتية تسطع رغم انشغال الجميع، وفي مناسبات الأعياد والأفراح وما سواها يكون للقاء معنى حيث يجتمع الصغار والكبار على مائدة تقاليد شهية
تأبى أن تنحني أمام عاصفة التغيير المستمرة، وذلك الواقع تجده في المقابل، متأصلاً في قالب نمط حياة من وحي الثقافة الإماراتية، يعايشه الأب محمد سعيد الكعبي مع أبنائه في بيته الكبير في إمارة عجمان.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250779527770&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
فرحة منتظرة الأب محمد الكعبي يجلس قبيل العيد منتظراً فرحة عايشها منذ عقود، الأبناء والأحفاد من حوله يحيطون به، أحمد وسيف ومروان ومحمد و...، كل شيء يشي بفرحة العيد، خروف الأضحية في ساحة البيت ينتظر، وفي المطبخ لحوم كثيرة تنتظر طهيها التقليدي ليلة العيد التي لا تتسع للنوم كما
يقولون، لاسيما وأن التقاليد الإماراتية لا تزال تحتفظ بعادات اجتماعية يحرص على تجسيدها الكبار ويطلبها الصغار، وبالتالي تظل على شكل حكاية تتداولها وتتناقلها الأجيال حباً وانتماءً.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1250779527773&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
الأب الكعبي وزوجته أم أحمد والأبناء، تجمعوا كعادتهم عصر أحد الأيام، افترشوا الأرض تحت شجرة الغاف في فناء بيتهم الذي تفوح منه رائحة العيد، فواكه وحلويات وأكلات تقليدية بانتظار الجميع في أول أيام عيد الأضحى.. وفي هذا الصدد يقول الكعبي إن الواقع الاحتفالي الذي يرافق العيد يحتفظ بعادات وتقاليد متشابهة على امتداد العالم العربي، وفي الإمارات يحتفظ الجميع بممارسات خاصة
لا يقبل الكثيرون الاستغناء عنها في ظلال مناسبة بذلك الحجم.
استعداد وتجهيز
بحسب ما تؤكد عائلة الكعبي، فقد عرف أهل الإمارات منذ سنين طويلة أجواء احتفالية توافق واقع البداوة وتؤيد الحالة الاجتماعية المتبعة، فقبل العيد بأسبوع تبدأ الأسر بتجهيز أكلات خاصة بالعيد، لا تحلو من خبز الرقاق واللحم والهريس، إضافة إلى الثريد والخبيص واللقيمات وما سواها، حيث يجتهد الكثيرون في ذبح المواشي قبيل العيد من أجل توفير كميات من اللحم تكفي لوجبة العيد التقليدية.
أما الأضحية فهي نهج متوارث أباً عن جد، ولا يزال الكعبي يتشبث بها عاماً بعد عام، ففي كل عيد هناك أضحية تنسب إلى كافة أفراد العائلة الأموات منهم والأحياء، فلا يبقى صغير ولا كبير دون أضحية في عرف عائلة محمد الكعبي.. تلك كانت الملامح الخاصة بالأكل، في حين أن الملامح الاجتماعية الأخرى تبدو أقوى.
إفطار أهل الحي
صباح يوم العيد، يؤدي الرجال الصلاة، ثم يعودون إلى البيت لتهنئة الأهل ومعايدتهم، ثم التوجه للسلام على الجيران والأقارب في الحي، قبل أن ينتهي المطاف بأفراد العائلة بالتجمع عند العائلة الكبيرة «الأب والأم»، وفي تلك الأثناء تكون وجبة العيد التقليدية بانتظارهم، ومنها الهريس واللحم المشوي والخبز وما سواه من الأكلات الإماراتية.
وكما يوضح الأب، فإن العادة كانت في السابق أن يفطر أفراد الحي سوياً بعد صلاة العيد، واليوم وبحكم تنوع الساكنين في المنطقة الواحدة، صار متبعاً أن تفطر كل عائلة لوحدها، وذلك بحضور الأبناء والبنات المتزوجين والقادمين من مناطق مختلفة، حيث لا يمكن أن يأتي العيد دون أن يحضر الجميع إلى بيت الأب والأم، ولا يستثنى من ذلك ولداً أو بنتاً ومنهم المتزوجين.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن البنات المتزوجات يحضرن إلى بيوت آبائهن منذ اليوم الأول للعيد، ويمكثن مع عائلاتهن طيلة مدة الإجازة، فيما أزواجهن يأتون لمعايدة عائلات زوجاتهم، ومن ثم ينتقلون إلى بيوت آبائهم لمعايدة أهاليهم والبقاء إلى جانبهم في تلك المناسبة الاجتماعية التي لا يبهت صداها مهما تعددت أشكال الحداثة، كما تؤكد عائلة الكعبي.
سلام الأقارب
عادة السلام على الأقارب والجيران لا تزال قائمة في ذهن الأب محمد سعيد الكعبي، الذي يضيف أنه وبعد اجتماع أفراد العائلة في بيت الكبير، تنطلق العائلة لمعايدة الأقارب في مناطق أخرى بعيدة، إذ لا يمكن أن يمر العيد دون أن يزور مع أفراد عائلته بقية الأقارب المنتشرين في أماكن كثيرة، وذلك تقليد ورثه عن آبائه ويمنحه لأبنائه بكل سرور.
وباعتبار عائلة الكعبي، فإن العيد مناسبة ربانية تختلف عن غيرها من المناسبات، صلة الرحم عنوانها الأبرز، أما الموبايلات والرسائل النصية فهي لا تأخذ حيزاً من اهتمام العائلة الإماراتية الحريصة على إبقاء لغة الماضي بين الأجيال، ولا تستوي العلاقات الإنسانية إلا إذا كانت الكف بالكف.
وتتواصل فرحة العيد في بيت الأب محمد سعيد الكعبي لأيام طويلة تسبق العيد، حيث الأجواء في البيت توحي إلى مناسبة دينية واجتماعية لا يمكن أن تمر دون صدى إيجابي في البيت، الأبناء يستعدون لأداء الفروض والواجبات الاجتماعية، والبيت يتسع أفقه لاحتضان عشرات الأبناء والبنات القادمين لمعايدة الأب والأم، والزيارات العائلية لا تتوقف عند حدود الجيران، وإنما تطول إلى مسافات كبيرة، فالعيد كما يراه الكعبي هدية ربانية لتعزيز العلاقات بين بني البشر، ولتمكين أواصر الصلة بين أبناء البيت الواحد، وخلافاً لذلك لا يمكن أن يكون.
«أم أحمد» لا تنام ليلة العيد لتجهز مائدة الفرح
«أم أحمد» الزوجة والأم تستعد مبكراً لعيد الفرح، تطبخ وترتب البيت وتستقبل المهنئين من الأبناء والأقارب، وهي تقول إن بعض العائلات للأسف تساهلت في قضية التزامها بالعادات والتقاليد الأصيلة، وتغض النظر عن غياب أبنائها لأيام، أما هي فلا يمكن أن تقبل أن يمر يوماً دون أن ترى فيه أبناءها جميعاً، مشيرة إلى الحفاظ على العادات والتقاليد تمنح الأبناء ثقة في مواصلة حياتهم بنجاح وفي مختلف الميادين.
تلك الأم لا تنام ليلة العيد تحديداً، تبقى في المطبخ لإعداد وجبة إفطار العيد لعائلتها الكبيرة، ثم تعيد ترتيب البيت بما يليق بحجم تلك المناسبة، مشيرة إلى أن أجمل ما في العيد هي تلك الجمعات العائلية التي تعيد لها كأم أبهى وأجمل لحظات حياتها، لا سيما وهي تستقبل عشرات الأبناء والأقارب والمهنئين، وتلك المواقف تحفظ للعائلة ثقة المواصلة في نهج الثقافة الإماراتية الأصيلة. ولدها أحمد الكعبي، وهو إعلامي يدرس الصحافة، ويعمل في مجالات إعلامية مختلفة، أكد هو الآخر أن الأب والأم في البيت تمكنا ومنذ مراحل مبكرة من زرع كثيراً من الخصال الإيجابية في أذهان الأبناء جميعاً، حتى أمسى الأبناء نسخة مشابهة في الحفاظ على الموروث والعادات الحميدة.
وأضاف أن روح الحداثة التي أخذت إليها رغبات الشباب بلا استئذان، تطال كل بيت، إلا أن الشيء المختلف في بيت محمد سعيد الكعبي هو حجم العلاقة التي تربطا لآباء مع الأبناء، حيث حدود الاحترام والطاعة راسخة منذ الصغر، مشيراً إلى أنه تعلم من أبويه كثيراً من السمات الحميدة، منها التضحية والعطاء والعطف والحنان.
وبذلك فهو يضمن استمرارية النهج الإماراتي الأصيل الذي يعايشه في بيته كل يوم. وخلافاً للواقع المعاش لديه، يؤكد أحمد أن العلاقات الأسرية القائمة هذه الأيام بين الآباء والأبناء تشكو ضعفاً متواصلاً، لعل سببه افتقادها لثقة الاحترام بين الابن والأب أو الأم، وهو حال كثير من الشباب هذه الأيام، الذين ينجرفون وراء حداثة الحياة ومغرياتها، فيتناسون أصالة الآباء والأجداد، وبالتأكيد يصبحون بعد سنوات قليلة غريبين عن أوطانهم وربما عن بيوتهم، وهو واقع يندى له الجبين، ولا يمكن أن يزول إلا بتعزيز مفاهيم المحافظة على العادات والتقاليد والأعراف التي ترعرع في ربوعها أجدادنا وآباؤنا.
اجتماع أفراد العائلة في العيد يعمق جذور المحبة
يشكل حضور الأبناء والبنات المتزوجين والقادمين من مناطق مختلفة خلال أيام العيد فرصة ثمينة لتعميق جذور العلاقات والمحبة بين مختلف الأجيال في العائلة فضلاً عن التواصل الثمين، حيث لا يمكن أن يأتي العيد دون أن يحضر الجميع إلى بيت الأب والأم، ولا يستثنى من ذلك ولداً أو بنتاً ومنهم المتزوجين.
وجرت العادة عند أسرة محمد سعيد الكعبي أن البنات المتزوجات يحضرن إلى بيوت آبائهن منذ اليوم الأول للعيد، ويمكثن مع عائلاتهن طيلة مدة الإجازة، فيما أزواجهن يأتون لمعايدة عائلات زوجاتهم، ومن ثم ينتقلون إلى بيوت آبائهم لمعايدة أهاليهم والبقاء إلى جانبهم في تلك المناسبة الاجتماعية التي لا يبهت صداها مهما تعددت أشكال الحداثة.