عمود رفيف
الورد والزيتون
دار الخليج
لكاتبه: يوسف أبو لوز




في غزة ورد وزهور أكثر مما في هولندا، هكذا قالت تقارير صحافية قبل سنوات قليلة خلال حرب “عابرة” على القطاع الذي استوردت منه بلد فان كوخ صاحب لوحة عبّاد الشمس شحنات من الورود مع أنه تحت احتلال النار.


بخمس كلمات، غزة تصدّر الورد إلى العالم.


وإذا كانت المرأة تحب العطر والورد، فإن الرجل يحب الزيتون والخبز أكثر، في الحالة الأولى تذهب الحياة إلى مفرداتها الغنائية الحالمة، أما في الحالة الثانية فتتجلّى واقعية الإنسان وعقلانيته، وفي الحالتين يمكن إيجاد معادلة ترضي الطرفين كأن يستوعب الواقعي ذلك الحالم، وكأن يُضفي الحالم على الواقعي لمسةً من الأمل.


كأن تنمو الوردة في غزة في حقل زيتون هناك في رام الله، وهي صورة شعرية مباشرة، أو العكس، أن تستحم شجرة زيتون من رام الله في غزة وسط إكليل من الورد.


في غزة ينمو الورد ويتوهج البرتقال قريباً من ضلع البحر الأبيض المتوسط في مربع جغرافي يُسمى القطاع، وكأنه رمزياً مُقتطع حتى من الجغرافيا كلها لكي يواجه موته وحياته قريباً من مياه البحر التي تصلح للتطهر حتى من الدم.


وفي رام الله زيتون وزيت لا تضاهي جودته إلا جودة الزيت الإسباني ذي الجذور الأندلسية التي زرعها في ذلك التراب الأحمر عبدالله الصغير، وفي آخر أيام حكمه خطا على التراب وهو يبكي.. ولو عاش لوركا شاعر الصباحات التي تشبه الأطفال أكثر مما أعطته الحياة من نصيب العيش لقام بأسطرة القصة “الأندلسية الفلسطينية” كلها كأن جعل دموع عبدالله تسقط على الرمل إلى شقائق نعمان ولكنها ليست حمراء، لأن الدموع كالماء لا لون لها.


تلك هي الحالة الفلسطينية على نحو شعري خالص.. إنها “حالة الاحتضار الطويلة” كما ذكر محمود درويش هذه العبارة في إحدى قصائده قبل حوالي عشرين عاماً، وهو يتحول من غنائي إلى واقعي، أو العكس، من واقعي إلى غنائي، وهي حالة سياسية ملتبسة ومتناقضة، وتحتاج إلى شعر أكثر مما تحتاج إلى تعليق سياسي، وحتى لو أخذ الشعراء أنفسهم في رهط جماعي كبير إلى إنقاذ فلسطين أو إنقاذ الورد والزيتون معاً، فإن هؤلاء يحتاجون إلى شعر الألم، وكان درويش قبل أن يموت قال:


“وداعاً


وداعاً لشعر الألم”