حمدة خميس في مجموعتها الجديدة تكتب عن الوجه السحري للحب




تدور المجموعة الشعرية “في مديح الحب” للشاعرة حمدة خميس، بمجملها في فلك الحب، بمقاربات مفرطة برهافتها وشفافيتها. لأنها تأتي وكأنها مقاربات لقلق الروح، المترعة بفيضها السخي، ومنازعاتها مع غواية القلب الأولى وجموح الخيال والعقل معاً.

ذلك لأن الحب في جوهره، هو حالات ما بين نزعات القلب، ونزعات الروح، وضوابط الواقع أو شطحاته الخالية والرومانسية، ولكنه بكل الحالات هو الانخطاف الكلي إلى عوالم سحرية، عوالم بكر غير مكتشفة، أو غير معهودة. هو ذلك الانخطاف الذي وصفته العرب في بعض الحالات بالخبل والجنون حيناً، والمس الشيطاني أحياناً، ما جعلهم يعطونه قرابة ستين اسماً وصفة ونعتاً. حسب ابن قيم الجوزية في كتاب “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”.

لذلك تبقى موضوعة الحب هي المدى المفتوح أبداً لتحليق الأدباء والفنانين في كل الأزمان والعصور بفضائه المدهش. وحمدة خميس “في مديح الحب” تجاري من سبقوها، في محاكاتها وتساؤلاتها لدلالات الحب ولوعاته وجروحه وبهجاته ومسراته، ولكنها لا ترى بالغامض السحري إلا الوجه الأكثر إشراقاً وجمالاً. تقول في نص بعنوان “حوار عن الحب والمستحيل”:





قُلت.. وكان في فمي اللظى، وفي شغاف القلب لُجة، وفي العينين بحر، وفي اليدين حسرة الفقد، وفي الروح توق يبلغ الذرى
ما الحب إلا الخبلُ وهو اكتمال الرشد!

هو الطلاسم في الغموض وهو الوضوح والبهاء

هو القيامة بعد الموت.. وهو الولوج إلى الفناء

هو الذبول واليباس.. والهطول إذا سخت السماء

هو الظلام إذا اكفهر.. وإذا انجلى هو الضياء

هو الخضوع والتمرد.. والمروق والولاء

هو اكتمال الخلق.. وهو معاني الكبرياء

هو النقائض توحدت.. وتفرقت كأنجم وتمازجت كالكيمياء

هو الأنين في النصال.. وهو التنهد في البكاء(...)

هو العذاب إذا نأى.. وإذا دنا هو الحياة!

ولكن الشاعرة في مجمل نصوصها ترى الوجه الوضاء للحب، فترد على من سبقوها، ممن قالوا بالوجه الآخر، في نص بعنوان “الحب فرح أم عويل” توضح فيه، ما سمته “القول القاصر الذي يشاع عن الحب بأنه عمى والحب أعمى” فتقول إن “المفاهيم التي صيغت عن الحب وأحواله من أقدم الأزمنة، وضعت الحب في معجم ساكن ثابت لم تخرج عليه الأجيال المتعاقبة. وهذا المعجم يقول دائماً ويردد في الحكايات والأغاني والمدونات، أن الحب عذاب وسهر وحسرة ولوعة ووله وتبتل وسقام وعويل ودموع وغيرة وندم... وأن علامات الحب على المحب: الشرود والأسى والسهو والذهول واختلاط الأمر والتوحد والإعراض عن الطعام والنشاط.. ومن شاء المزيد فليذهب إلى كتب التراث.. ولينصت إ لى أغنيات العويل والنواح، والاستجداء والشكوى من ظلم الحبيب وهجره، وتمنعه وغير ذلك كله، القول القاصر الذي يشاع عن الحب بأنه عمى والحب أعمى!

فهل صحيح أن الحب عمى والحب أعمى؟

نعم سيكون كذلك حين يغطى بمفاهيم العار والخطيئة والفضيحة، ويعاقب المحبون بالحرق والرجم والقتل وعذاب الجحيم وحين يصير الحب عارا يطحن الإنسان بين حجري رحى: الشعور بالعار والخطيئة نتيجة التحريم، والتوق إلى الحب الذي يمنحنا الأمل والإشراق والغبطة الطاغية، والطاقة البالغة القوة التي يدفقها في كياننا الإنساني.

وتضيء الشاعرة فوانيس الحب لديها فتقول في نص بعنوان “مديح الحب”: هذا النور منبثق منك أنت.. ليس من وهج قلبي الذي انفلق ليحتويك.. ليضيء كل عتمة في جسدي، في خفايا النفس، وفي أبعد غموض عقلي.

منك أنت يشع هذا التوقد، يحيطك، ينبث منك إلي.

تسير حين رأيتك، يحفك النور من حولك، من باطن روحك، من البريق المذهل لعينيك، من ابتسامتك في غفلة منك أو في غفلة ممن يجلس قربك أو أمامك.

هكذا ألمح ضوء ابتسامتك الغامضة الخاطفة وأحتار كيف أفسرها وأفسرك حينها أترك لك لذة الغموض، لكن ضوء ابتسامتك يخترقني.

شهي أراك وأظنني أشتهي الياسمين، وربما الشاي في شفافيته، وربما اشتهيت أشياء كثيرة في حضرتك، القهوة مثلاً أو كأس ماء أو بنفسجة”.

وتعاود الشاعرة تساؤلاتها حول ما قيل بالحب بنص آخر بعنوان هل “الحب نعمة أو نقمة” فتقول: إذا كان الحب توق وحرية، بهجة وأمل وإشراق وحيوية فكيف يحدث أن لا نحب؟

وإذا كان قيداً وحصاراً وعذاباً وألماً، فكيف يحدث أن نتوق إليه، نتمناه، نحلم به، ونجهد في البحث عنه؟ بل إن كان كل عناية بمظهرنا وتهذيب سلوكنا فرديا واجتماعياً، محكوم برغبة خفية لا واعية في أغلب الأحيان وقصدية واعية في بعضها، لأن نُحِبَ ونُحَبْ. وحين لا نكون في حالة حب نشعر أن شيئاً ما ينقصنا، وقد نشعر بنقص في الثقة بالنفس، أو نفتقد الحماس المتقد لتحقيق طموحاتنا العملية في مسار عيشنا. أو نشعر بالكسل والتخاذل والرتابة والقلق الغامض وربما الكآبة التي تحيلنا إلى كائنات متشائمة، نكدة وسوداوية المزاج.

وتجيب الشاعرة في نص بعنوان “لتكن إنساناً جديداً” باستعادة سؤال نيكوس كازنتزكيس لماذا وجدنا لأي غاية وأي سبب؟ ماذا علينا أن نفعل لنجدد وجودنا في الوجود كل يوم؟ ولمعرفة الإجابة عن الأسئلة، يقتضي الإنسان البحث عن الخلاص مما يعانيه الإنسان،الأمس واليوم، وربما الغد.. وإعادة الإشراق إلى روح هذا الكائن المتفرد في الطبيعة، من أجل أن يتحد بجوهر ذاته، وبالكائنات من حوله. ليعيد صياغة حياة تتأسس على الحب والعطاء والتعاون، وهو لا يحتاج إلى فكر مغاير وفلسفات روحانية تدعي النهوض بالروح من هوتها فقط، بل إلى عمل دؤوب يكرس في الوعي واللاوعي مفاهيم الحياة بمعانيها الجوهرية، بمدلولاتها الإشراقية، بطاقاتها اللا محدودة. عمل يكشف الذات والآخرين ويوحد بينهما في كل واحد غايته.