لامية حبيب الصايغ في حب الإمارات
منذ ما يقرب من عام ونيف نشرت صحيفة الخليج لامية الشاعرحبيب الصايغ تحت عنوان (ولاءُ ضميرٍ كالإمارات ساطعٍ) ولا أدري بعدما قرأتها لماذا قصصتها عن الجريدة واحتفظت بها بين أوراقي الأثيرة، ألأنها تغنت بحب الإمارات وقالت ما أود قوله؟ أم لأنها بلغت من الإبداع الفني والتعبير البلاغي ما ندر أن نجده في الشعر العمودي المعاصر؟ أم لكلا السببين؟
ثلاثة وثلاثون بيتاً من البحر الطويل كان صريحها مضمراً ومضمرها صريحاً تتداعى المعاني خلالها بانثيالات الرجع الوجداني الصادق البهي النابع من أفانين الفكر والقلب والوجدان، أو هي ما يشبه الحداء الذي يختزل وجع المحبين ورجع صدى السنين ممزوجاً بالحنين لمن هم يسكنون المسافة الغالية بين القلب والعين .
الأبيات الستة الأولى هي مما يناجي به الحبيب حبيبه . . كأننا أمام كثير عزة أو عمر بن أبي ربيعة أو جميل بثينة، وهم يقفون أمام خيمات حبيباتهم وينشدون بمنتهى التوله والهيام، يقول حبيب وهو يستحضر عشقه لوطنه:
يغازل قلبي موطني ويبادلُ
فقلبي مفعولٌ به وهو فاعلُ
ويمحضه الود الذي هو أهله
فذلكم فرضٌ سواهُ نوافل
فهذا الحب مقدم على ما سواه، وهو محسودٌ عليه فمثلما يكون للعاشقين عواذل فإن له في حبه لوطنه عواذل، ثم يفاجئنا بالحس العفوي ذاته بأنه يشهر حبه مرةً بعد مرةٍ ماضياً فيه لأقصى مدىً فيغيضهم حتى يصابوا بالجنون فيقول:
ويشهر إحساس المحبين مرةً
إلى مرةٍ حتى يُجن العواذل
إلى أن يقول:
وتسكرهُ نجواهُ حتى تخاله
يغيبُ، ويحيا وهو صاحٍ وعاقلُ
أية بلاغة في هذا التناظر العجيب والتقابل بين الغياب عن الوعي وبين الحضور بكامل الصحو والعقل، فالغياب هنا ليس سكراً أو موتاً بل لشدة التوله والانشداه والتوجد، فهذا الحب بهذا الوصف قد وصل إلى أقصى مدياته .
بعد هذه المقدمة الغزلية يدخل الشاعر حبيب الصايغ في خيمة الحبيب (الوطن) فيستذكر أولأً الشيخ زايد، رحمه الله، فهذا القائد الحكيم له الفضل الذي لا يدانيه السحاب في تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة وبناء صرحها ونهضتها التي جعلت منها منارةً في التقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والعمراني، فقد خطت يداه لهذه الدولة الصاعدة منهجاً واضحاً للتطور، فيقول:
وفي ضوء ما خطت يدا زايد النهى
يشيّدُ بنّاءٌ ويعملُ عاملُ
ويدرسُ تلميذ ويعلمُ عالمٌ
ويرمُ رسّامٌ وينهلُ ناهلُ
وتتوارد المعطيات والمنجزات التي جاء بها منهج المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، عبر الأبيات الخمسة الأخرى لينتقل الشاعر بشكل سلس وأخّاذ إلى أخوة الشيخ زايد وهم شيوخ الإمارات الذين وقفوا معه وآزروه وأسهموا معه في تحقيق ما خطت يداه، ووصفهم في أبيات عدة بالملوك لعلو شأنهم وخلقهم النبيل وهممهم يقول:
ملوكٌ وفي الوجدان صُبَّت عروشهم
وطالت فطالوا، ثم طالت فطاولوا
وقد يكون الشطرُ هنا سلساً في البناء والمعنى وكأنه يستدرج القارئ إلى منعرج البلاغة في العجز حيث استخدام كلمة (طال) بأكثر من معنى ليدلل على إرادة هؤلاء الملوك وعظم همتهم في الوصول إلى ذرى المعالي، وهم في قلوب من أحبوهم انصبّوا فطال انصبابهم أو نالوا ما يأملون من محبة شعبهم وكلما طال أمد حضورهم في قلوب الناس زادهم ذلك مطاولة للمعالي حتى وصلوها والمطاولة هنا تأتي بمعنيين الأول أفضل وأنعم، والثاني فاقه في الطول أو غلبه .
وفي بيت واحد فقط من أبيات القصيدة نوّه الشاعر عن تلك النفوس التي تشذ عن القاعدة بأن هؤلاء لا يخسرون إلا أنفسهم لأن كل الشعب ملتحم مع قيادته ومتواصل، ولا تتأثر المسيرة بنفر ضال فيقول:
إذا شطَّ بعضُ البعض فالكلُّ عارفٌ
وإن قطعوا فالكل وافٍ وواصلُ
تعود القصيدة مرة ثانية لوصف أكثر عمقاً ودقةً لقادة دولة الإمارات الذين نهلوا من فكر زايد، رحمه الله، ومشوا على نهجه، في ثمانية أبيات أخرى تنتهي بالبيت الذي يحمل عنوان القصيدة والذي يقول:
ولاءُ ضميرٍ كالإمارات ساطعٍ
ودلّت عليهِ من إباءٍ دلائلُ
ودلَّ عليه دربُ زايد فانتمى
إلى منزلٍ لا تدعيه المنازلُ
ثم يعرج على الشيخ خليفة قائلاً:
خليفةُ رمز الإنتماءِ وحولهُ
بلادٌ وأحلامٌ وشعبٌ مقاتلُ
هكذا لخّص الصايغ عظمة هذه الدولة وسرّ قوتها، في التفافها حول قائدها وفي أحلامها التي تتجسدُ يوماً بعد يوم، وفي شعبها الأبي وجيشها القوي .
وتقدح الأبيات الأخيرة بعنفوان القسم، حيث يقسم الشاعر المعبر عن صوت وضمير الشعب:
لنا رايةٌ بالاتحادِ مصونةٌ
ونقسمُ: نفديها ولا نتخاذلُ
ونقسمُ أن الاتحادَ طريقنا
كما قد بدأناهُ فسوف نواصلُ
حتى يختتم الصايغ قصيدته العصماء مشيراً إلى جوهر الاتحاد وأثره الكبير قائلاً:
كما اختاره شيخُ الشيوخِ وأثمرت نتائجهُ، فالفعلُ لا القولُ فاعلُ
أجل فثمار الاتحاد نضجت وأعطت أُكُلَها فعلاً لا قولاً من خلال المنجزات التي تحققت لدولة الإمارات العربية المتحدة على مدى اثنين وأربعين عاماً من عمر الاتحاد، ولعل أهمها وأروعها شعب سعيد يلتف حول قيادته ونهضة شاملة جعلت الإمارات دولة استقطاب تجاري وثقافي وسياحي وعلمي عالمية . . ترى ألا يستحق هذا كله أن يكتب بماء الذهب على صفحات التاريخ ويتغنى به الشعراء؟
قصيدة ثرة بالمعاني والصور البلاغية، يتواشج نسيجها بالجناس والطباق بشكل يجعلك تظنه فنّاناً قبل أن يكون شاعراً، فتلك القدرة على اللعب بالكلمات وتطويعها للمعاني لا تتأتى لأي شاعر كان (ومستقبلٌ، فاستقبلته القبائلُ) (ربيعٌ عليه من شمولٍ شمائلُ) .






رد مع اقتباس