-
13 - 9 - 2014, 11:14 PM
#1
مستقبل الكتابة
-
مستقبل الكتابة
*جريدة الخليج
منّي بونعامه:
يحار المرء وهو يشهد التزايد المفرط في كمّ الكتابات التي تنتشر هنا وهناك، وتنسب، سهواً أو عفواً أو جهلاً، إلى حقل الثقافة والإبداع، بوصفها تعبّر، تجاوزاً، عن تجربة كاتب "افتراضي" لا يمتلك دربةً ومراساً يؤهلانه لخوض غمار التجربة على النحو المقبول، لا المطلوب، على الأقل، ما يجعل السؤال مشروعاً عن مستقبل الكتابة في الوطن العربي في نطاق الطفرة التكنولوجية والرقمية؟
لقد غدا كل من رقم سواداً في بياض كاتباً تتداول كتاباته على نطاق، واسع أو ضيق لا فرق، ويطلق عليه جزافاً، كما جرت العادة، مختلف النعوت والألقاب التي تنتشله من القاعدة، وترفعه إلى قمة، لم يبذل في سبيل بلوغها جهداً حقيقياً، ما يعبّر بجلاء عن استفحال ظاهرة الاستسهال في واقعنا الثقافي في ظل غياب نقد موضوعي جاد. كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ تلك الظاهرة، ونشرها على أوسع نطاق، من خلال إفساح تلك الوسائل المجال، في فضائها المفتوح بلا رقيب أو حسيب، أمام كل من هب ودب ليكتب ما يشاء متى شاء، بل إن بعض الكتّاب "الافتراضيين" الذين يجدون صعوبات في نشر كتاباتهم المزعومة، يذهبون إلى تلك الوسائل للخلاص أو التخلّص من عوائق النشر وضوابطه وعدم احترام ذائقة القارئ. وقد ظهرت في غمرة هذا الواقع أعمال روائية وقصصية تعاني فقراً في الفكر وضعفاً في اللغة وركاكةً في الأسلوب.
إننا نشهد اليوم سيلاً جارفاً من الكتابات العصية على التصنيف، بحكم العادة، بل إنها لا ترقى أصلاً إلى هذه الدرجة، لأنها تعبّر في مجملها ومضمونها عن خواء فكري، وفقر ثقافي، وعجز لغوي، وهي تنتشر، للأسف الشديد، في واقعنا الثقافي، كالنار في الهشيم، والأدهى والأمر من ذلك أنها تلقى رواجاً وتسويقاً يجعلانها تتصدّر قائمة مبيعات الكتب حتى يخيّل إلى القارئ العامي (الساذج)، في غياب معايير "الجودة" وتقييم المحتوى، أن ذلك دليل على أهميتها وتميّزها.
إن مستقبل الكتابة في وطننا العربي، مرتبط "بلا ريب" بمستقبل الثقافة، وعلى القيّمين على المؤسسات الثقافية، إن أرادوا خيراً بأهلها، أن يعملوا على وضع معايير صارمة من شأنها أن تسهم في انتقاء الأعمال التي تستحق النشر والتداول، وأن تضبط عمل دور النشر الخاصة والربحية، التي تسهم، بشكل أو بآخر، في نشر ما لا يرقى للنشر بحجج واهية لا تستند إلى منطق صحيح، ولا يقبلها عقل سليم.
إن المحتوى الثقافي العربي الراهن يواجه تحدياً كبيراً، كما اللغة العربية، شئنا ذلك أم أبينا، ومن العسير جداً أن نستشرف مستقبلاً مشرقاً للكتابة، أو نتوقع خلاصاً من الظواهر المنتشرة والمستشرية في واقعنا، كالاستسهال في الكتابة، وضعف معدلات القراءة، وفقر المحتوى الثقافي، بمنأى عن إعمال الفكر والنظر، قصد المراجعة والتقييم.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى