-






لماذا الكتابة؟.. سؤال قصير وإجابات لا يمكن الإمساك بها



*جريدة الخليج





الشارقة - محمد أبو عرب:


الكثير من الأسئلة في الإبداع تبدو الإجابة عنها معقدة وشائكة، وربما لا يمكن الإمساك بها، إلا أن أكثر هذه الأسئلة صعوبة وغرابة، هو سؤال: "لماذا تكتب؟"، سؤال صغير جداً يتكون من مفردتين، لكن ربما لا تكفيه عشرات المجلدات للوصول إلى إجابة مقنعة يستطيع الكاتب بعدها أن يشعر بالراحة، بأنه فعلاً أجاب عن السؤال كما يجب، ولم يعد بعد اليوم بحاجة لطرحه من جديد.


ربما يكون السؤال هو أول الفكرة وهو أول الإجابة، وهو أساس كل عمل إبداعي في الكون، فتاريخ الفكر يشهد أنه بدأ بسؤال، وأفضى إلى مئات الحلول ومئات المنظرين والمفكرين، وتاريخ الفن يشهد ذلك، وكذلك الشعر، والرواية، وكل أجناس الإبداع، لهذا حين يطرح الكاتب على نفسه سؤال "لماذا أكتب" يكون قد عاد إلى باطنه، إلى الفكرة الأولى وتفتح اللاوعي لديه على اللغة والمفردات وحرفة صياغة الفكرة وتقليب صورها لتظهر سليمة جميلة.


كثيراً ما طُرح هذا التساؤل على أسماء لامعة في الأدب والشعر، وكثيراً ما تشابهت ردّات فعلهم عند سماع السؤال للمرة الأولى، فأغلبهم يصاب بالسكوت قليلاً، ثم يلملم نفسه من جديد، معيداً بناء جملٍ متزنة، تجيب بصورة مواربة وأنيقة عن السؤال، وكأنها تفتح واحدة من دفتي السؤال وتغلق أخرى، لتظل النافذة مشرعة على إجابات لا يمكن حصرها.


الولوج إلى عوالم الإجابات التي طرحها الكتّاب حول هذا السؤال يدخل في عمق الكتّاب أنفسهم، ويكاد يكشف نصف سيرهم الذاتية، فالروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2006م أورهان باموق، طرح هذا السؤال على نفسه وقدم إجابات كثيرة، منها: "عندما تعرفت إلى رغبتي في الكتابة للمرة الأولى، كنت أستجيب لرغبة خاصة في التعرف إلى ذاتي، وأن أكتشف نفسي أولاً. ولكن، عندما تشرع في تأمل ذاتك، وتتحدث عن نفسك، تدرك لاحقاً أنك تتحدث عن الآخرين أيضاً، لذلك أعتقد أن الكتابة هي محاولة لتناول الآخر والكتابة عنه في إطار تناول الذات".


يثير باموق في هذه الإجابة، قدرة الكتابة على كشف الذات، وقدرتها على كشف الآخر، وكم نكون متشابهين حين نتحدث عن الألم، أو الفرح، أو الحزن، أو الحب، وكأن الكتابة ما هي إلا صورة لذواتنا المتشابة، والكاتب الناجح هو ذاك الذي يستطيع الوصول إلى صورة الذات الواضحة التي تتماثل مع صورة الآخر.


قد لا تكون تلك الإجابة تعني أحداً بقدر ما تعني باموق نفسه، فالإجابة عن السؤال ذاته تأخذ شكلاً آخر لدى كتاب آخرين، فمحمد الماغوط يقول: "أنا لا أكتب.. أنا أنزف"، والشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا يقول: "الأدب هو الطريقة الأكثر إمتاعاً لتجاهل الحياة"، وهنا يظهر فعل الكتابة بوصفه هروباً من الحياة التي ظل الكتّاب بشكل عام يعيشون عداءً كاملاً معها، ويدخلون فيها بمزاج عدمي يفضي غالباً إلى الكثير من التساؤلات حول حقيقتها.


ربما تكون الشاعرة المصرية إيمان مرسال دخلت عميقاً في سؤال: "لماذا تكتب" حين كتبت في "مجلة الثقافة الجديدة" مقالاً تحت عنوان "كتابة عن الكتابة" تقول فيه: "مِن الصعب حقاً أن نكتُب عن "الكتابة"، تبدو الإجابات عن أسئلة مثل لماذا تكتب؟ وما الدافع إلى الكتابة؟ وما علاقتك بها؟ لماذا أنت مُقلّ أو غزير الإنتاج؟ مثل إجابات عن أسئلة من قبيل: من أنا؟، لماذا أنا هكذا؟، الأدهى أن تتصوّر أن إجابتك أيّاً كانت ستساعدك على "تعريف" ما تظنه نفسك".


وتضيف: "أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه؛ الكتابة بكل بساطة - أو تعقيد - مِزاج؛ مِزاج فردي وخاص ومن المستحيل وصفه مِن الداخل دون أن يبدو الواصِف وكأنه يتكلّم عن شيء آخر من قبيل مركزيته وهو يكتب، خبرته، مُعاناته، تصوراته، طقوسه إلخ. أنا لستُ مشغولة بذلك في الحقيقة؛ إذا كان عندي سؤال يخصّ الكتابة فهو: كيف يعيش مَن لا يكتبون؟، أقصد كيف يتنازلون عن إمكانية أن يقيموا علاقة مختلفة بالحياة عبر الكتابة"؟


ستتكاثر الإجابات بعدد الكتاب، وسيظل منها المألوف والتقليدي التي لا يكف الكتّاب عن ترديدها وتقليبها في وجوه عديدة داخل فكرة واحدة، إلا أنه في المقابل ستظهر إجابات متفردة ومغالية، يصبح معها فعل الكتابة ليس موازياً للحياة وحسب، بل يفوقه، كما كتب غابريل غارسيا ماركيز "عشت لأروي"، وكأن قرار الكتابة سابقة لفعل العيش، وكذلك سيكون غريباً كما هي الحال عند هنري ميشو الذي يقول: "الكتابة هي فعل قتل. وأنا أكتب من أجل مساءلة مسألة الكائن والفحص عنها والاقتراب منها أكثر".