الرشفــة الأخيـــرة
مقال / رذاذ عبــدالله
دار الخليــج


انسكب الفنجان الأخير برغوته اللذيذة، انتهت الارتشافات الرائعة، توقف مداد “فنجان قهوة” عن الانسكاب، ورحل صاحبه أبو خلدون، وودع إشراقات الصباحات الجميلة، وانسكابات قهوته الصباحية، وسطور جريدة الصباح، وتغريد عصافير الصبح على الأغصان الندية، و الآن نتشرب الحزن من فناجين قهوة الصباح .



تصعقني دائما أخبار رحيل الكتاب والأدباء، وكما صعقت برحيل الماغوط ومحمود درويش، أراني اليوم أنكس رأسي حسرة لهذا الرحيل المفجع، أعلم بأن مأتم الأحزان سيطوقني بعد رحيلك يا “أبوخلدون”، وأعلم أن تيارات الرحيل مسرعة تارة وبطيئة تارة أخرى، انفجارات الرحيل مدوية داخلي، موحشة في أعماق نفسي الكئيبة .



ارتشفنا آخر رشفة من فنجان قهوتك صباح جمعة حزين، رحلت وتركت عموداً خالياً حزيناً ينتظر لهفة لقائك . لقد غابت نكهة الشوق إلى مقالك الرائع، يخالجني صمت غريب وأنا أمرر ناظري بين فراغ عمودك، وأتذكر غيابه المؤقت سابقا: الزميل أبو خلدون في إجازة، والآن ستطول إجازة رحيلك المر .



أتعلم يا “أبو خلدون”: أنني أتصفح جريدة “الخليج” عبر شبكة الإنترنت وأقرأها أيضا ورقيا، ولكني لم ألحظ أن صالح الخريبي هو “أبو خلدون” . وداعا زميل الحرف والكلمة، وداعا صاحب ألذ فنجان قهوة صباحي، وداعا يا أنبل وأرقى كاتب، وداعا وسيمفونية الحزن تعزف ألحان الرحيل، وأي رحيل؟ رحيل مر المذاق، موجع بين مقل أغرقتها الفاجعة، وداعا “فنجان قهوة أبو خلدون” الأخير، وداعا ليحتضنك تراب أدفأ من سخونة فنجانك الصباحي، فلتدفأ في هذا الشتاء الحزين الذي يهطل حزناً مودعاً عزيزاً غاب مداده وانسكب آخر فنجان له .