-





تغييرات صغيرة


*جريدة الخليج



مريم البلوشي:

هل تساءلنا يوماً لماذا نشعر بالملل رغم أننا مشغولون؟ لماذا لا نريد أحياناً أن نقوم بعمل رغم أنه مهم؟ ولماذا أصبحنا لا نحس بأشياء كنا نجد فيها المتعة الكبيرة؟ لماذا حتى مللنا الخروج مع الأصدقاء ومن نحب؟ لماذا صرنا لا نطيق أكل بعض الوجبات التي كنا نعشقها؟
لم يتغير شيء.. الوجوه هي نفسها، الحياة هي نفسها والكثير يتغير حولنا. نحن لم نصب بشيء إلا أننا يجب أن نتعلم متى نكسر حاجز الروتين ومتى نبدأ فقط بالقليل من التغيرات الصغيرة.



إن كنا تعودنا على العمل والعودة للمنزل كل يوم، فلماذا لا نبقى قليلاً في المكتب ونخرج في جلسة مع زملائنا لاحقاً للتغيير والبدء في اكتشاف بعضنا؟ إن كنا تعودنا على ممارسة نفس الهوايات، فلماذا لا نتوقف لأيام ونأخذ أيضاً استراحة منها ونعود للحياة الاجتماعية مع أهلنا وأصدقائنا ومن نحب؟ لماذا لا نعود بعض الأيام للبقاء في زاوية اشتاقت لنا في المنزل وكتاب نقرؤه وقهوة ذات رائحة زكية تؤنس وقتنا؟ لماذا لا نحرك الكثير من الركود لدينا بأن نجرب كسر ساعة من الروتين في اليوم الذي يتكرر علينا في مشاهده وحلقاته؟


حولنا العالم في حركة سريعة. كل شيء يتغير، حتى البشر من نعيش معهم، فلنحرك أيضاً مشاعرنا حول الأماكن. لنعد لبعض الأماكن القديمة، للجلسات البسيطة، لنتجرد من التطور الذي حولنا ليوم فقط ونرى الفرق؟ كثيرون منا عاشوا في الخارج وكثيرون عرفوا الفرق بين يوم العمل ويوم الراحة.


في أوقات السنة التي يكون فيها الجو معتدلاً وجميلاً تعيش يوم الراحة بين الناس وهم يمشون منذ الصباح، يشربون قهوتهم المعتادة في هدوء، ينتقون كتاباً وينزوون في حديقة أو حتى في مقهى. الحياة هي ببساطة ما فينا، وحبنا للشيء حين يتغير كيف نعيده، إن مللت وجبة فلا تأكلها وقتاً طويلاً، وإن مللت مكاناً خاصمه أياماً وعد إليه مشتاقاً، وإن مللت صاحباً لا تهجره بل أعد معه بعض أيام الشقاوة.. وإن مللت روحاً تعيش فيك لا تقتلها، ابتعد عنها قليلاً وانظر إليها من داخلك. إن مللت وظيفة لا تتذمر، تذكر كل الأشياء الجميلة التي تشتريها براتب آخر الشهر وكل السعادة بإنجازات صغيرة قبل الكبيرة وافرح.


لنضع فوق مكاتبنا ما نحب: لوحة، زهور، صوراً لأطفالنا، كلمات نحبها، ولنعد لمن بدأ معنا يوماً في هذا المكان وليكن حديث ذكريات جميلة.. وإن مللت نفسك فلا تكتئب، كلمها بهدوء وعش معها أنت وما تريد. تذكر تجارب الحياة الجميلة ومعها سافر لكل الأوقات التي علمتك وقل لها: ما زلت معي.


وإن مللت الحياة فلا تيأس وتذكر رباً فوق سبع سماوات ينظر إليك ويقول "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان"، فتعود بطاقة تستمدها من رب العباد بسجدة، بصلاة وبذكر، فهل هناك أجمل من أن نبقى نعيش في أمل؟