-


التقاء الذاكرة




*جريدة الخليج



مريم البلوشي:

كم تفرح قلوبنا الصغيرة حين تفكر بمن شاركها الكثير من حياتها وتجارب العمر كله، كم تتغير نفوسنا حين نلتقي صدفة بأحدهم في مكان ما وتبدأ رحلة الذاكرة وانتعاش النفس بأجمل الأوقات. نتذكر أوقاتاً لا تغيب لكنها تعود بلقاء عابر... أرواحنا خلقت لأن تكون بين الناس، تتآلف معهم وتعيش بينهم، اليوم نحن ربما نفتقد الكثيرين ممن كانوا معنا على مقاعد الدراسة ونتمنى لو نعرف بعض التفاصيل عنهم، أو كيف صارت حياتهم وماذا يفعلون. كم نتذكر في جلسة اختلاء أشخاصاً كانت أحلامهم كبيرة فنقول: هل حقق فلان حلمه؟ وكيف صار شكله اليوم؟ نتذكر صفوف المدرسة وطابور الصباح الذي يعج بالمئات وبينهم البعض القريب وكيف قاسمنا الكثير، حتى "فسحة المدرس" ومشاغبات الفصل في حصص الاحتياط. نتذكر اليوم رفقاء الجامعة ومشوار التغيير الأول في حياتنا، حين أصبحنا لأول مرة لربما مسؤولين عن الكثير، وعن حياتنا الجديدة.


في كل منا ذاكرة كبيرة من الصور والألبومات، مجلدات من القصص والحكايا، تلتقي بها أرواحنا وتحاكيها ولربما نضحك في بعض الأوقات... وتقول: كيف كنا هكذا، هي أجمل مراحل العمر ومهما عشنا فإنها من أجمل لقاءات الذاكرة، كانت البراءة كثيرة في حياتنا وكانت جميلة حتى خلافاتنا لأنها بسيطة كبساطة تلك المواقف التي مرت بنا، وكانت مسؤولياتنا وهمومنا لا تقارن باليوم أو حتى تأتي قريباً منها.


اليوم الشيء الجميل في عالم التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي أنه جعلنا نقترب أيضا من هؤلاء الذين كانوا في الذاكرة، واستطعنا التجمع بعد فراق سنوات كثيرة، لكن المحزن أن تبقى الذاكرة الحقيقية مجمدة عند تلك الفترة العمرية التي لا نمل من أن نعيدها ونعيدها ونضحك كثيراً في ساعات نرفه فيها عن أنفسنا حين نلتقي، لتبقى ذاكرة صافية.


اليوم أصبحت علاقاتنا عبر الوسائل الاجتماعية أغلب الوقت، فذاكرتنا الجديدة محفورة هناك في أجهزتنا الإلكترونية وصورنا الكثيرة التي تعكس ما نمر به أو ماذا نفعل أو حتى كيف نفكر... أصبحت أحياناً علاقات وهمية وأحياناً لا أساس لها لأن القلوب لا تعرف بعضها، والأرواح لا تتقارب حتى أو تعرف إن كانت متجانسة أو لا، فأصبحت ذاكرة مجمدة من المشاعر الحقيقية، والأحاسيس التي نحتاج أن نتذكرها على كبر. قد يبادر البعض ويتعرف إلى بعض الشخصيات لكنها قليلة جدا ولا تعرف الاستمرارية لأن الحياة أصبحت مجرد كلمات مقتضبة ورسائل سريعة حتى في تعاملاتنا الأخرى.


وسائل سريعة لا تأني فيها أو أخذاً وعطاء... أصبحنا مع التقاء الذاكرة القديمة أيضاً نتحدث برسائل مع تلك الشخصيات التي استطعنا أن نجمعها في "جروب" واحد وأصبحت القصص تتوالى وصور الضحكات، لكنها أوقات خالية من الحقيقة التي نفتقدها... لا تزال الذاكرة تحتاج للكثير من التواصل الاجتماعي، التواصل الحقيقي، والعيش مع الكل، مع قصصهم ويومياتهم حين تلتقي الأرواح فتلتقي الذاكرة غداً بعد مرور سنوات طويلة.