-




دوّامة نحويّة صرفيّة



*جريدة الخليج



عبداللطيف الزبيدي:

سؤال يُطرح على المثقف العربيّ، وعليه ألاّ يتسرّع في الجواب: هل طاف بذهنك في يوم من الأيام، لماذا بلغت علوم اللغة العربية، حدًّا غير مقبول وغير معقول من التعقيد؟ لا يدّعي القلم معرفة الإجابة الدقيقة الحاسمة، والقول الفصل العدل. ولكنه يضع منقاره على الحبّة التي يراها أصل السنبلة. وسيرى أهل الرأي أن هذا الموضوع البكر،جدير بالتفكّر،حتى ولو كان مجرّد وقفة على الساحل من دون غوص.


النحو والصرف مجرّد أدوات شغل، وهما لا يُطلبان لذاتهما، هما مثل المسطرة والميزان ومقياس الحرارة، فما سبب تغوّلهما على نحو صار أصغر أمورهما يحظى بتأليف كتاب أو كتب فيه؟ ما أهميّة أن يمدّ شيء مثل باب الاشتغال رجليه كما طاب له؟ هذا كقولك مثلاً: "زيداً لقيته". كلام لا تنطق به ولا تكتبه.


أدنى حبّ للعربية يقتضي البحث لها عن حلّ فهي عسيرة على أهلها، ولغز محيّر لدى من يريد تعلمها من غير العرب. يبدو أن القلم قد عرف السبب، حين أعاد النظر وأحاط بالأسئلة نصّا لأبي حيان التوحيدي في "المقابسات"، مفاده المفاضلة والموازنة بين المنطق اليونانيّ والنحو العربيّ. ما يعني أن قدماءنا، سامحهم الله، سدّوا الأبواب والآفاق على الفلسفة والفكر لمبررات ما أنزل الله بها من سلطان، فحدث ما يشبه تعطل حاسّة من الحواس بإعاقة، فتنتقل القوّة والكفاءة إلى حاسّة أخرى. ولهذا نرى النحو والصرف يوصفان في ميراثنا بأنهما علمان، وكأنك تتحدث عن الفيزياء والكيمياء. هل تستطيع في الفرنسيّة وصف الصرف بأنه علم؟ من هنا نفهم أن المساحة التي كان سيشغلها الفلاسفة والمفكرون، تكاثر فيها النحاة حتى أصبح واجباً عليهم القول: ملأنا النحو حتى ضاق عنّا.. وبحر الصرف نفعمه فنوناً.




لزوم ما يلزم: النتيجة المنطقية: لدينا أساتذة فلسفة، ولم يكن لدينا فلاسفة. في حين أن وظيفة النحو والصرف هي أن يتعلم الفرد تجنب الخطأ.