أبعد من الحنين
مقال حسام ميرو
دار الخليج





جاء تكريم الشاعرة ظبية خميس بلقب شخصية العام الثقافية 9002 من قبل دائرة الثقافة والإعلام في عجمان مناسبة كي تلتقي الشاعرة بأصدقاء لها مضت فترة طويلة لم ترهم، وهي المقيمة في القاهرة حيث تعمل وتكتب، ومناسبة أعربت فيها عن سعادتها بلقاء الأماكن التي أنعشت ذاكرتها فكتبت من وحي اللقاء كلمة كان من المفترض أن تلقيها في حفل التكريم، إلا أن فرحة الأجواء الاحتفالية أشعرتها أن الحدث كان أكبر “ربما” من أي كلام قد يقال، إلا أن ما كتبته في الورقة تضمن فقرة كاملة حول الأماكن ومنها شاطىء عجمان الذي أثار الكثير من الشجون في نفسها، وهي العاشقة للبحر، فكيف لا تجهش الذاكرة بموج الحنين؟



شاطىء عجمان لم يكن مجرد كلمات في ورقة خميس التي نشر “الخليج الثقافي” جزءاً منها، وإنما ذاكرة ثقافية وإنسانية، وتوثيقاً لا يمكن للمؤرخ أن يقبض على جمراته بين ثنايا الحكايات، فهو أكبر من الأرشفة الباردة، وأكثر تعبيراً من التوصيف، هو توثيق كالشعر، أو شعر صاف، وهو ما ينتقل الذاتي إلى العام، بوصفه فضاء يكتب الماضي، لا ليستعيده، وإنما ليطرح أسئلة تقع في صلب الإبداع والثقافة، خاصة وأن الكثير من مذكرات المبدعين تحولت إلى مصدر إلهام لكثير من الأجيال التي تلتها، وهو ما عبر عنه ت .س . إليوت في كتابه حول الشعر حيث أشار صراحة إلى التأثير الخفي الذي توجده قراءة مذكرات الكثير من الشعراء، ذلك التأثير الذي يجعل من الأخوة الشعرية عابرة للأزمنة والأمكنة في الوقت ذاته .




في هذا المنحى يغدو طبيعيا أن نرى قريبا بعض الشعراء والقصاصين والمسرحيين يكتبون عن بداية الحركة الثقافية في الإمارات، وخاصة فترة الثمانينات من القرن الفائت، ليست تلك الكتابة التي تؤرخ للأحداث بتسلسلها الزمني، وإنما توثق المشاعر وتناقضاتها، وصخب الفكر الباحث عن أجوبة، وروح المبدع الباحثة عن مفردة بحجم الكون، وعن جملة لم تقل من قبل، خاصة وأن ما نراه اليوم من حراك ثقافي انتقل خلال العقود الثلاثة الماضية من فعل فردي إلى فعل مؤسساتي، يحتاج إلى مثل هذا التوثيق، فكثير من الأجيال الشابة لا تعرف إلا النذر اليسير عن تلك الفترة التي كانت جزءاً من التنمية الثقافية التي شهدتها الإمارات، وجعلتها في مقدمة البلدان الخليجية في مناح كثيرة، فما تشهده الإمارات من فعاليات ثقافية وإبداعية اليوم أكثر من أن يعد أو يحصى، بعد أن تمأسس العمل الثقافي، وهو ما يتيح إمكانية الدعوة لتوثيق ذاكرة الإنسان وفضائه الفكري والثقافي عبر مجموعة من الكتابات التي تنهض على المكون الإبداعي في بناء بانوراما حقيقية لفترة مهمة من تاريخ العمل الثقافي، خاصة وأن معظم الأسماء التي كانت موجودة آنذاك واصلت مسيرتها الإبداعية، وقد أصبح بعضها علماً من أعلام الثقافة والإبداع العربيين، ما يجعل دعوتها إلى الكتابة تتجاوز الإطار المحلي إلى الفضاء العربي، بوصفها جزءا من إحدى أكثر المراحل خصوبة في التاريخ المعاصر للثقافة العربية في القرن العشرين .