النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

     

    أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

    هدى أبو غنيمة








    هل كان الأديب الروسيّ أنطون تشيخوف طوباوياً حالماً وهو يردد "كم ستكون الحياة طيبة بعد ثلاثمئة عام؟" أو كان محقاً ، وهو يلتقط شيفرة الحياة ودفقها المتجدد من إحساسه بقيمة الإنسان واحتفائه بكرامته؟ آمن تشيخوف بأن الثقافة الحقيقية القادمة ستضفي النبل على البشرية ، وأنها النبرة التي تردد صداها في جميع مؤلفاته ، ولم يكف أبداً عن الإيمان بالعمل الدؤوب الخلاّق - وإن كان غير منظور - لأفضل قوى وطنه. كتب في ذكراه الأديب الكسندر كوبرين قائلاً: "هذه الفكرة عن جمال الحياة المقبلة ، والتي رن صداها الرقيق الحزين الجميل في جميع مؤلفاته الأخيرة ، كانت في واقع الحياة واحدة من أعز أفكاره ، وأكثرها رعاية. ولا بد أنه كان كثيراً ما يفكر في السيادة القادمة للبشرية وهو يجلس وحيداً في أوقات الصباح ، مقلماً في صمت شجيرات الورد أو متفحصاً بانتباه غرساً وليداً آذته الريح معبراً عن شوق روح فائقة الرهافة والحساسية إلى إعلاء شأن إنسانية الإنسان. كان روحاً تعاني أشد المعاناة من الوضاعة والفظاظة والملل والفراغ والعنف والوحشية الموجودة في فظائع الحياة اليومية وجهالتها ، ولهذا بالذات قضى آخر أيام عمره عندما أتته الشهرة واليسر النسبيّ ، والحب المخلص من كل مَن كان ذكياً وموهوباً وشريفاً في المجتمع الروسيّ.. قضى تلك الأيام يعمل بجد من أجل إعلاء شأن الإنسان ، متطلعاً إلى كل إنجاز إنسانيّ يساهم في تجسيد أفكاره ورؤاه.



    لم يتقوقع في علياء العظمة الباردة ، ولم يغرق في العداوة التافهة لشهرة الآخرين ، بل تجسدت حصيلة خبرته الحياتية الضخمة الشاقة ، وكل أحزانه ، وآلامه وأفراحه في هذا الحلم الرائع الحزين المتفاني في العمل من أجل كرامة الإنسان.




    ولهذا كان ، بالدرجة نفسها من الحب ، يرعى الأزهار وكأنما يرى فيها رمز الجمال المقبل ، ويتابع الدروب الجديدة التي يشقها العقل البشريّ والمعرفة. كان يتطلع بسرور إلى المباني الجديدة المبتكرة التشييد وإلى السفن البحرية الكبيرة ، ويهتم بحيوية المخترعات الحديثة شتى في مجال التكنيك ، ولا يشعر بالملل في صحبة الأختصاصيين. كانت الحيوانات والأطفال يتعلقون بتشيخوف ، وكذلك الخدم والباعة ، والحمالون ، والجوالون ، وسعاة البريد ، ويعاملونه بحب قلبيّ كبير. وكان يعيش في فناء داره لقلقّ أنيسّ وكلبان ، عدا القطط التي كان يحس تجاهها بتقزز لا يقهر ، أما الكلاب فكانت تتمتع بوده الخاص ، وكان أحياناً يقول مبتسماً بطيبة: "قوم رائعون هذه الكلاب".




    مثلما كان الإنسانُ هاجسَ أنطون تشيخوف ، والعملُ الدؤوبُ بطاقةَ هويته ، فإن أعماله هي التي تقدم تشيخوف القاص والمسرحيّ والطبيب البارع ، الذي جعل أدبه خطاباً أنسانياً حاضراً في كل الثقافات. فقد كانت فلسفته "تحرير النفس الإنسانية من التوافه والزيف ، وهذان لا يحولان دون أن نكون سعداء وأحراراً إلى الأمام، دعونا نسير بشكل لا يقاوم نحو تلك النجمة المشرقة في الأعالي".




    ولعل هذا الحوار في مسرحية بستان الكرز هو أبلغ تلخيص لفلسفته.



    يقول تروفيموف ، وهو أحد شخصيات بستان الكرز: "إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يجب علينا أن نعتد بأنفسنا؟ وأين هو الإحساس بالاعتداد بالنفس حينما تعتبر أنّ ذلك الرجل ، بوصفه جنساً بشرياً ، ليس مبنياً بشكل جيد من الناحية النفسية ، وهو في أكثر الظروف جلف وغبيّ وغير سعيد إلى حد بعيد؟ أيضاً ، يجب علينا أن نوقف كل هذا الإعجاب بالذات ، ويجب علينا فقط أن نعمل.



    غاييف: ولكنك ستموت ، أيضاً ، مهما فعلت.

    ترفيموف: من يعلم وعلى أي حال ماذا يعني الموت ربما كان يعني أن ذلك الرجل يمتلك مئات الحواس وأن خمساً وتسعين حاسة ستبقى حية بعد ذلك.



    ليوبوف أندريفنا: كم أنت ذكي يا بيتا،.

    لوباخين ساخراً: أوه ذكي جداً.



    ترفيموف: إن الإنسانية تتقدم دوماً ، وهي باستمرار تسعى إلى تحسين قواها. وفي يوم ما ، فإن الأشياء كافة ، التي هي خارج إدراكنا في الوقت الحاضر ، ستصبح في متناول أيدينا. ومن أجل تحقيق هذا ، فإنه يجب أن نعمل بكامل قدرتنا في سبيل مساعدة الناس الذين ينشدون الحقيقة. إن أناساً قلائل في روسيا قد بدؤوا العمل حتى الآن ، وإن كل أهل الفكر تقريباً ، الذين أعرفهم ، لا يهتمون في شيء ، ولا يعملون شيئاً ، وما زالوا غير قادرين على العمل: إنهم يدعون أنفسهم بأهل الفكر لكنهم ما زالوا يتحدثون باحتقار مع خدمهم ، ويعاملون الفلاحين كما لو كانوا حيوانات ، ويدرسون من دون أن يحققوا أي شيء ، ولا يقرؤون أي شيء بجدية: إنهم لا يفعلون شيئاً أبداً ، وبما يتعلق بالعلم ، فإنهم فقط يتحدثون عنه ولا يفهمون الكثير عن الفنّ ، تبدو عليهم الجديّة المفرطة ، وتظهر على وجوههم التعابير الصارمة وهم يبحثون فقط القضايا الهامة ، ويتفلسفون. ومع ذلك ، وفي الوقت نفسه ، فإن باستطاعة أي شخص أن يرى دائماً أنّ طبقتنا العاملة تأكل الطعام الرديء ، وتنام في فراش غير لائق مع البق والروائح الكريهة. ومن الواضح أن كل أحاديثنا الطنانة اللطيفة يقصد بها تضليل أنفسنا وتضليل الآخرين".


    أشبَهُ بذباب الخيل،.



    يُدين الحوار في المسرحيّة المثقفين الذين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الصفات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان برأي تشيخوف ، حتى يمكن أنْ نسميه إنساناً قادراً على المساهمة في بناء حضاري.



    ولعل مرد هذه الحملة التي حملها على مثقفي عصره ، وهم نماذج حاضرة في كل مجتمع إنسانيّ ، هو مقتُه نقادَ الأدب في زمانه إذ سلقوه بأقلامهم في بدء حياته الأدبية ، فقد قال مرة لجوركي: "إن هؤلاء النقاد أشبه بذباب الخيول الذي يزعج الحصان أثناء انشغاله في جر المحراث. إن الحصان يعمل ويجهد ويعرق ، وينتج ثم ، فجأةً ، تأتي ذبابة تحوّم حوله فتزعجه بطنينها ، وقد تحط على ظهره أو رأسه ، وتلسعه إمعاناً منها في الإزعاج".



    لم تكن نزعة تشيخوف وليدة الموهبة فحسب ، بل هي نتيجة معاناته في طفولته من قسوة أبيه الذي ذاق على يديه أصنافاً من العذاب. فكان على أنطون أن يصل الليل بالنهار ليعول نفسه وهو لم يتعد السابعة من عُمره ، وعندما قارب على الإنتهاء من المرحلة الثانوية أفلس والده وهجر البيت تاركاً لتشيخوف عبء إعالة الأسرة ، فعمل في مجال التدريس حتى حصل على منحة لدخول كلية طب موسكو ، وهنا بدأ يعمل في الكتابة ليساعد أسرته ، ويتمكن من إكمال تعليمه وهو ما نجح في تحقيقه. غير أن ميوله الأدبية ، على اعتباره كاتب قصص قصيرة ، سرعان ما تغلبت عليه ، وأصبحت الكتابة مهنته الأساسية. لقد فجر الشقاء جوانب النبوغ في نفسه ، فكان يقبل على دروسه في صباه بنهم ، ويعبُّ من الكتب محاولاً إدراك معنى الحياة ، فكانت حصيلة ذلك الإيمان العميق بكرامة الإنسان وقيمته. هذا الايمان الذي وسع أفقه ، وسما بروحه ترفده روافد المعرفة المتنوعة ، التي عبر عنها قائلاً: إن الرياضيات والكهرباء والبخار ، تعلمنا حب الإنسان أكثر مما يعلمنا الإمتناع عن أكل اللحم.



    ولعل في اختيار تشيخوف المذهبَ الواقعيَّ دليلاً على ميله الشديد ، وتفاعله مع مشكلات الرجل العاديّ الذي جعله بطلاً لقصصه. ألم يكن الإنسان البسيط العادي هو تشيخوف نفسه ـوإن اختلفت الأسماء والشخصيات في قصصهـ في وقت كان فيه الأبطال من عالم النبلاء والأشراف والملاّك الإقطاعيين؟ في مقالة كتبها في عام 1888 قال: "لقد وُلدتُ ونشأت وتعلمت وبدأت الكتابة في جو كان المال يلعب فيه دوراً كبيراً إلى حد مؤسف ، وقد كان لهذا الجو أسوأ الأثر على نفسي".



    لقد أثرَتْ تجاربه الشعورية والعملية نزعته الإنسانية ، فكان احتفاؤه بكرامة الإنسان نابضاً بالصدق ، وكانت شخصياته متألقة بإشعاعها الفنيّ لأنها كانت تجسد تجارب كاتبها ، وتوازي بمعاناتها وشقائها ، معاناته وشقاءه.

    * نقلا عن الدستور الاردنيــة،،

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

    شكرا لج اختي ع الطرح دمتي بود

  3. #3
    عضو ذهبى الصورة الرمزية أسير الدموع
    تاريخ التسجيل
    1 - 12 - 2009
    الدولة
    الإمارات ـ راك
    المشاركات
    7,140
    معدل تقييم المستوى
    76

    رد: أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

    يسلمو ع الطرح خيوتي
    دمتي قلبي
    [flash=http://www.shy22.com/upfiles/EBT85197.swf]WIDTH=600 HEIGHT=400[/flash]

  4. #4
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: أنطون تشيخوف .. الاحتفاء بكرامة الناس البسطاء

    أشكر مروركم الادبي الجميل،،
    دمتم بنقاء،،

المواضيع المتشابهه

  1. [منقول] قصة : أنطون تشيخوف
    بواسطة رذاذ عبدالله في المنتدى مجلس الكتابات الأدبية المنقولة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22 - 2 - 2010, 08:43 PM
  2. الناس في المسن مثل الناس في حياتنا اليومية؟!
    بواسطة PŕĭňČěšŝღǾḞღỆĝŶPŤ في المنتدى المجلس المنوع
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 20 - 9 - 2009, 06:18 PM
  3. :: حكم الاحتفال بالسنة الميلادية..::
    بواسطة بنــ زايد ـت في المنتدى مجلس الدين والحياة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 6 - 1 - 2008, 05:19 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •