ويؤكّد مفتتح المجموعة هذا المعنى لبلاد الحريم: ففي الحوار المتخيّل بين الذات الشاعرة والمرأة المحبوبة يُذكر الشرق بوصفه أرض النخيل والحكايات: "قلت يا هذي استريحي وأضيئي لي النخيل. قالت الشرق حكاية والذي فيك قليل".
وفي عناوين القصائد ومتونها تتكرر مفردة المرأة بنفسها ، كما في عنوان قصيدة "امرأة اللوز" ، أو بمفردات تقترب من حقل المرأة اللغوي ، مثل عناوين: "عروس" "في بلاد الحريم" ، "قصائد لسيدة التراب" ، "عصفورة الروح" ، "فراشة". أما في المتون الشعرية فتشكّل المرأة موضوع المجموعة بشكل عام.
تبدو رؤية المجموعة للمرأة الشرقية متناقضة مع الرؤية الاستشراقية لها ، تلك الرؤية التي تنطوي على إهانة واضحة للشرق في تعاملة مع المرأة ، فهي مخلوق أقل قيمة من الرجل ، ويقتصر دورها على أعمال البيت والإنجاب ، هذه الرؤية ربما وليدة ما ظهر في قصص" ألف ليلة وليلة" ، التي اهتمّ بها الغربيّون ، وعدّوها ممثلة لبلاد الشرق ، فشهرزاد هي المرأة اللعوب والرقيقة في مقابل شهريار الرجل الظالم والجلف ، وربما هي وليدة ما خبره الغربيّون من حياة العثمانييّن الأتراك ، ومعاملتهم للمرأة ، ويبدو أن مصطلح "بلاد الحريم" جاء نتيجة هذه الخبرة: ففي قصور السلاطين قسم مخصص للنساء ، يدعى الحرملك في مقابل السلملك المخصص للرجال.
لا شك أنّ نظرة الذات الشاعرة للمرأة متناقضة مع نظرة الغرب لها: فالمرأة ليست رمزاً للعبودية والاضطهاد والسجن بل رمز للقوة الفاعلة في الأمة. هكذا يرتفع الصوت الشعري معلياً من شأن المرأة لاستنهاض الشرق من سباته ، ودفعه إلى التحرر من الطغاة الذين يرونه ضعيفاً لا قيمة له ، فنقرأ من قصيدة "شرق":
أجراس نهديك
مدائن قد غفا فيها الحمام..
فلتنهضي
ولتكسري طوق النجاة
فعرائس البحر استقالت
منذ صار الشرق عصفوراً
لأحلام الطغاة (ص15 - 16)
ومن الأسباب ، التي تظهرها الذات الشاعرة لهذا الاستنهاض ، ما يتصف به الشرق من فوضى وظلم وعذاب لا تتحمل المرأة مسؤوليته وحدها:
في بلاد الحريم
كل شيء مباح ،
الهوى والخديعة
والنوى
والجراح. (ص75).
لا غرابة أن يحس أبناء الشرق ، من النساء والرجال ، بأنّهم غرباء وسط ما يحيط بهم من ظلم ، وفقر ، وطمس للحرية ، ووأد الأحلام الجميلة:
غرباء
في صمتنا المملوء بالكلام
في صوتنا المكسور مثل النافذة
في يقظة الأحلام
في جوعنا السري للمهادنة (ص23)
في هذه الأسطر يتضح التأكيد على الصفات السلبية للشرق بتكرار استهلالي لحرف الجر "في" ، وكذلك بالتكرار التركيبي في: "صمتنا المملوء" ، و "صوتنا المكسور" ، وفي الإيقاع المتموّج الذي ينتهي إلى الهدوء المتناسب مع جرس كلمة "المهادنة".
وإذا كان استنهاض المرأة استنهاض للمجتمع كلّه في قصيدة "شرق" فإنه استنهاض لعواطف الشاعر وأخيلته لمواجهة الواقع: فالمرأة تتماهى مع القصيدة التي تحمل همَّ الذات الشاعرة وهم الآخرين ، كما في قصيدة "قصيدتي.. حبيبتي".
نقرأ:
تنهّد الصباح فيها واكتمل
وباحت القلاع بالفشل
لأنها تطير فوق كل حاجز وتنفجر
قصيدتي التي
حبيبتي التي خبأت فيها الحزن
خبأت العسل (ص65)
فإذا كانت القصيدة هي الحبيبة فإن الحبيبة تدرك معنى ذلك ، وتبادله حباً بحب:
وحينما يلمّني من الغمام
في قصائده
أنوثتي منارة
فاعذروني إن هتفت عشقه
ومت في انتظاره (ص58)
وتظهر المرأة رمزاً للجمال المشتهى في قصيدة" امرأة اللوز" ، وهي من القصائد القصيرة التي احتوتها المجموعة. تقول:
تأكلني امرأة كالسكر
الطفلة فيها لا تكبر
شفتاها من عسل أحمر
وتنادي
أو حين تناديني
القلب زجاج يتكسر (ص104).
فهنالك قبعة الوقت ، وأجنحة الصمت ، ودمع النشوة ، ورموش الضفائر ، وكلها تراكيب إضافية تتزاحم للتعبير عن أحاسيس المرأة الداخلية.
هكذا ظهرت صورة المرأة في قصائد الشاعر جهاد "أبو حشيش" من مجموعته "امرأة في بلاد الحريم" إنّها صورة مغايرة لما انطبع في أذهان الغربيين: فهي رمز لحركة الحياة وجمالها وعنفوانها ، وهي الحبيبة ، والأمّة ، والقصيدة.