|
|
الحلقة 3 من "السراب": الإسلام السياسي.. من الإخوان إلى القاعدة
![]()
24 - أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة الثالثة
الباب الأول: إطار نظري ومنهجي
الفصل الأول: الإسلام السياسـي بين الواقع والخرافة (3)
النشأة والأصول الفكرية للإسلام السياسي من الإخوان إلى القاعدة
يعتبر نجاح جماعة الإخوان المسلمين في السيطرة على الاتحادات الطلابية في الجامعات العربية، إنجازاً تكتيكياً مهماً باتجاه وضع الأسس التنظيمية لمستقبل النقابات والجمعيات الأهلية، وذلك بعد التضييق والملاحقة اللذين تعرضت لهما الجماعة خلال فترة حكم عبدالناصـر، كما ذكرت سالفاً. أضف إلى ذلك أن الرئيس المصـري الأسبق محمد أنور السادات أراد تصفية التيار الناصـري القومي الذي كان يعتبر تحدياً لحكمه، ووجد أن دعم الإسلاميين، في الجامعات وغيرها من نطاقات الحياة العامة، يساعده على ذلك، حتى شعار الرئيس السادات في منتصف السبعينيات، "العلم والإيمان"، كان القصد منه إظهار تدينه وابتعاده عن مسارات السياسة المصـرية قبل عام 1970م؛ أي خلال فترة حكم عبدالناصـر. وبلغ دعم الجماعات الدينية السياسية والسماح لها بالعمل في بدايات عهد الرئيس السادات، غض النظر عن أنشطتها في مختلف أنحاء البلاد، خاصة في المناطق الريفية الفقيرة؛ حيث وجدت هذه الجماعات أن باستطاعتها تقديم الخدمات الاجتماعية والغذائية والصحية المجانية للطبقات الفقيرة؛ بمعنى آخر، أصبحت الدولة المصـرية في السبعينيات بشكل ضمني من داعمي التمدد الديني، وإن كانت تصـر على أن يكون هذا الدين معتدلاً وأن يؤيدها في سياساتها. ولكن التجربة المصـرية أثبتت أن استخدام ورقة الجماعات الدينية سياسياً يمثل مجازفة وينطوي على مخاطر كبيرة.
وبالإضافة إلى زيادة التدين في الحيز العام، زاد الاحتقان الطائفي من دون تدخل وقائي أو علاجي مباشـر من مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار تم تنفيذ هجمات عدة على المسيحيين في السبعينيات، استهدفت طلبة ورجال دين، وشملت اعتداءات على الكنائس التي أحرق عدد منها ما بين عامي 1977م و1980م. وفي عام 1980م، حاول الرئيس السادات تغيير مادة في الدستور المصـري لعام 1971م تجعل من الشـريعة الإسلامية "المصدر الرئيسـي للتشـريع"، ما يُخضِع جميع التشـريعات والقوانين لأحكام الفقه والشـريعة الإسلامية؛ بمعنى الاقتراب من الدولة الإسلامية المنشودة من جانب جماعة الإخوان المسلمين.
وبين عامي 1980م و1981م، ركز الخطاب الرسمي المصـري تجاه الانقسام الطائفي على تحميل المسؤولية للأقباط والبابا شنودة الثالث، واتهمهم بالحصول على أسلحة من الميليشيات المسيحية اللبنانية. وشاءت الأقدار أن يقوم المتشددون في الجماعات الدينية السياسية المصـرية باغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في أثناء استعراضه القوات المسلحة في الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر 1973م.
الأزمة الاقتصادية
وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية في السبعينيات، التي تسببت فيها عوامل عدة، منها: التحول من نظام "بريتون وودز" القائم على قاعدة الذهب إلى نظام العملات عام 1971م، والحظر على النفط بعد حرب أكتوبر 1973م، وارتفاع معدلات التضخم في الدول الرأسمالية، وغير ذلك من الأسباب، لتفرض نفسها على اقتصادات الدول النامية، وترغمها على إعادة هيكلة نفسها، وهو ما أسس لمشكلات اجتماعية واقتصادية استفادت منها الجماعات الدينية السياسية التي اعتبرت نفسها بديلاً للأنظمة المدنية. كما أسهمت سياسات النظام الناصـري الاقتصادية بين الخمسينيات والستينيات التي وصفت بأنها غير منظمة، من تأميم الصناعات والمصارف، إلى الإصلاح الزراعي الذي لم يعرف النظام كيف يستفيد منه لزيادة رأس المال الوطني، إلى التضخم الكبير في القطاع العام وانحسار القطاع الخاص، في تعزيز انتشار الجماعات الدينية السياسية التي انتشـرت في المناطق الفقيرة لتقديم المساعدات، كما ذكرت سابقاً، ما أوجد قاعدة شعبية متنامية لها.
وبالرغم من أن توسع الجماعات الدينية السياسية في الدول العربية والإسلامية كان نتاجاً للتطورات الداخلية في هذه الدول، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؛ حيث ركز أتباع هذه الجماعات على ملء الفراغ الناجم عن أزمات نظام الحكم المصـري خلال فترتي الرئيسين عبدالناصـر والسادات، فقد اجتمعت عوامل أخرى خارجية لتضاف أولاً، إلى مشكلات المرجعية السياسـية للنظام السياسـي المصـري الحاكم في حقبة السبعينيات، وثانياً، لتعطي أتباع هذه الجماعات محاور أخرى ليثبتوا أنهم ليسوا فقط ناشطين على صعيد معالجة المشكلات الناجمة عن فشل أنظمة الحكم، ولكنهم أيضاً مشغولون بخدمة مصالح المسلمين كافة. وساعدهم على هذا، الانفتاح العربي على الولايات المتحدة الأمريكية في أواسط السبعينيات، ليس لأنهم كانوا معجبين بالتجربة الاشتراكية الناصـرية أو بالاتحاد السوفيتي السابق، بل لأن التقارب المصـري-الأمريكي تم تصويره من جانب الجماعات الدينية السياسية باعتباره يرمز إلى تقارب حضاري مع الغرب المسيحي، والاعتماد الاقتصادي عليه، مع العلم أن كثيرين من مؤيدي هذه الجماعات لم يروا مشكلة في الرأسمالية الأمريكية، كما لم يروا ميزة في مناهضة الولايات المتحدة الأمريكية للاتحاد السوفيتي السابق.
.
سياسة الانفتاح
وقد فرضت مسألة إعادة النظر في العلاقات المصـرية-الروسية نفسها على كثير من القضايا المحلية والإقليمية؛ فإلى جانب التغيير الاجتماعي الذي بدأ الرئيس السادات بتحقيقه في جمهورية مصـر العربية داخلياً من خلال تطبيق سياسة الانفتاح، فقد لعب دوراً إقليمياً مناهضاً للوجود السوفيتي في المنطقة. وإلى جانب التخلص من أصدقاء الاتحاد السوفيتي السابق في مصـر، من خلال "الحركة التصحيحية" في مايو 1971م، قام الرئيس السادات في العام ذاته بالتدخل في جمهورية السودان لمنع إطاحة نظام جعفر نميري على يد الحزب الشيوعي السوداني وضباط عسكريين متعاطفين معه. بعد ذلك، جاء إلغاء اتفاقية الصداقة والتعاون بين جمهورية مصـر العربية والاتحاد السوفيتي السابق، ومن ثم حرب أكتوبر 1973م، وما تبعها من حظر عربي للنفط، ما جعل جمهورية مصـر العربية في قلب التخطيط الاستراتيجي الأمريكي لمنطقة الشـرق الأوسط، بعد أن كانت العلاقات سيئة ومقطوعة في أغلب الأوقات في عهد عبدالناصـر.
ولكن فيما كان الرئيس الأسبق محمد أنور السادات يقضـي على خصومه الداخليين، ويشجع مؤيدي الجماعات الدينية السياسية على كسب مواقع لأنفسهم في المؤسسات التربوية والاجتماعية المصـرية، انصـرف أيضاً إلى تغيير النهج الاستراتيجي لبلاده؛ إذ بعد حرب 1973م، واتفاقيتي فك الاشتباك مع إسـرائيل عامي 1974م و1975م، أصبحت جمهورية مصـر العربية، بحكم التواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية، أبعد ما تكون عن موقفها التقليدي المعادي لإسـرائيل، وفرضت اتفاقيات فك الارتباط إعادة انتشار للقوات المصـرية بعيداً عن خطوط المواجهة العسكرية مع القوات الإسـرائيلية.
وفي الوقت نفسه، كانت القضية الفلسطينية تحظى باهتمام كبير في العالم، بعد الاعتراف الدولي في الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شـرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني في أكتوبر 1974م، ما فرض على جمهورية مصـر العربية لعب دور الوسيط العربي الأقوى القادر على التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن مع صعود اليمين الإسـرائيلي إلى الحكم في تل أبيب، بشخص مناحيم بيجن، وانحسار الآمال بالتوصل إلى اتفاق حول الحقوق الفلسطينية، اقترح الرئيس السادات في أحد خطاباته زيارة القدس للتباحث حول السلام مع القادة الإسـرائيليين، وحول الحقوق المشـروعة للشعب الفلسطيني، وهو الاقتراح الذي قبله بيجن بسـرعة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من تموضع جمهورية مصـر العربية الاستراتيجي؛ ومن ثم حركة الإسلام السياسـي فيها، وبالتحديد موقف الجماعات الدينية السياسية من توجهات الرئيس الأسبق محمد أنور السادات حيال الولايات المتحدة الأمريكية وإسـرائيل.
كامب ديفيد
ودشن توقيع اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978م مرحلة السلام المنشود في عهد الرئيس السادات بين جمهورية مصـر العربية وإسـرائيل، وبعد ذلك توقيع معاهدة السلام بين الدولتين في مارس 1979م، بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت التحول المصـري نحو السلام مع إسـرائيل بالأموال والانفتاح الاقتصادي والسياسـي. ونصت اتفاقية السلام على إنهاء حالة العداء بين البلدين وبدء العلاقات الدبلوماسية بينهما، وإنهاء الاحتلال الإسـرائيلي لشبه جزيرة سيناء وتأطير العلاقات الأمنية بين البلدين وضمان حق إسـرائيل بالمرور في قناة السويس ومضيـق تيـران.
ويمكن القول إن اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م، والاجتياح السوفيتي لأفغانستان في العام نفسه لدعم النظام الشيوعي في كابول، كانا الحدثين الأكثر أهمية في مسيرة الجماعات الدينية السياسية خلال تلك الحقبة بشكل عام، باتجاه المزيد من التشدد الديني. ففي تلك الثورة، التي انتهت إلى تسلم الإسلام السياسـي الشيعي للسلطة بعد تصفية الحلفاء من أنصار التيار المدني والوطنيين الإيرانيين الذين شاركوا في الثورة، قام آية الله الخميني بتأسيس ولاية الفقيه، وبوضع رجال الدين كضامنين دستوريين للدولة والثورة والنظام، وهو ما اعتبر توسعاً غير مقبول لدور رجال الدين الشيعة في الحكم. فقد اعترض عدد كبير من العلماء الشيعة والمرجعيات الشيعية على مبدأ ولاية الفقيه، ومنهم آية الله علي السيستاني، المرجعية الشيعية البارزة في جمهورية العراق، الذي يصـر على أن العلماء هم مجرد قوة دينية أخلاقية، وأنه يجب على رجال الدين عدم تقلد أي منصب سياسـي على عكس ما فعل الخميني. وكما هو واضح، لم يكن للإسلام الشيعي الإيراني تأثير كبير في الإسلام السياسـي السني، ليس بسبب الأصل الفارسـي للثورة الإيرانية فحسب، بل بسبب الاختلافـات العقائديـة بين المذاهـب الإسلاميـة نفسهـا، خاصة مع الانقسام المذهبي الحاد الذي أحاط - ولا يزال - بالعلاقات بين السنة والشيعة.
اجتياح جمهورية أفغانستان
أما بالنسبة إلى السبب الثاني؛ أي اجتياح جمهورية أفغانستان الإسلامية، فلقد كان له تأثير مهم في تحول الإسلام السياسـي السني نحو تبني الأفكار المتشـددة التي تحض على العنف والجهاد، وهو التحول الذي حظي في البداية بتأييد ودعم واسعين من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى الإقليمية والدولية، لأنه كان بمنزلة قوة موجهة ضد الاتحاد السوفيتي السابق. ففي الثمانينيات، أطلق الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان على الاتحاد السوفيتي السابق اسم "إمبراطورية الشـر" عام 1983م، وقرر التخلي عن أجندة محاربة الوجود السوفيتي في جمهورية أفغانستان الإسلامية عن طريق الأدوات السياسية والعسكرية، واستعاض عن ذلك بتأييد الجهاد الإسلامي العالمي ودعمه. واستطاع الجهاديون تجنيد الآلاف من المسلمين الراغبين في محاربة ما يسمى الإلحاد السوفيتي، وأسسوا جمعيات اجتماعية ومدارس وتنظيمات عملت جميعها على استقطاب الكوادر المقاتلة والمشبعة عقائدياً وتجنيدها. ويمكن القول إنه لولا الدعم الأمريكي والعربي لهؤلاء المجاهدين، لبقي عددهم قليلاً وتنظيمهم وتدريبهم أقل من المطلوب لدحر قوة بحجم الاتحاد السوفيتي السابق.
إن حجم الدعم الذي حصلت عليه هذه التنظيمات الجهادية من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بعض الدول العربية، كان كثيفاً ومتطوراً لاعتبارات استراتيجية تستهدف بالدرجة الأولى استنزاف القوات السوفيتية وكسـر التمدد السوفيتي في منطقة آسيا الوسطى، وهو ما أسهم في زيادة قوة هذه الجماعات، ومن ثم صعوبة مواجهتها في وقت لاحق. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية طـوال عقـد الثمانينيـات مـزاراً معتـاداً لزعماء الجهاد الأفغاني، الذين أطلقت عليهم وسائل الإعلام الأمريكية اسماً هو "مقاتلو الحرية" (Freedom Fighters)، كما نشطـت الأجهـزة الأمنية الأمريكية في تقديم الدعم المالي والعسكري للمجاهدين الأفغان، سواء عبر الجيش والاستخبارات الباكستانية، أو من خلال القواعد العسكرية المتطورة التي أقامتها لتدريب المجاهدين الأفغان في مناطق الحدود الباكستانية-الأفغانية، بالتعاون مع الحكومة الباكستانيـة.
ويرى أحد الباحثين أنه من غير الممكن التقليل من أهمية الجهاد الأفغاني في نشأة الحركة الجهادية وتطورها بشكل عام، لأن من شأن ذلك أن يجعل تطور الإسلام السياسـي كمفهوم وممارسة أمراً معقداً كأنه لم يخضع زمنياً ومكانياً للتأثيرات نفسها، ما يجعله صعب المعالجة من قبل الأنظمة التي تريد محاربته. وهذا العامل؛ أي الحرب الأفغانية، جاء ليعطي التنظيمات الجهادية وضعاً استراتيجياً وأجندة جديدة حولتها، ليس في جمهورية مصـر العربية فقط، بل في العالَمين العربي والإسلامي وفي الغرب وغيره، إلى عنصـر تهديد أساسـي عابر للحدود في منظومة العلاقات الدولية.
تفكك الاتحاد السوفيتي
وفي التسعينيات من القرن العشـرين الميلادي، وبعد خروج القوات السوفيتية من جمهورية أفغانستان الإسلامية، وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق، الذي كانت الحرب الأفغانية أحد أسباب انهياره الاقتصادي والعسكري، استفاق العالم على وجود آلاف المجاهدين السابقين، المدربين والعاطلين عن العمل، الذين جاؤوا من عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، وكان منهم أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم "القاعدة"، الذي قُتل لاحقاً على يد القوات الخاصة الأمريكية في الثاني من مايو 2011م.
ومثل التعامل مع هذه الأعداد معضلة كبيرة للدول التي دعمتها، خاصة بعد تشبثها بالأفكار المتشددة. وقد انقسم المجاهدون إلى تيارات عدة؛ فمنهم من انخرط في الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية واستقر في أفغانستان، كما هي حال عناصـر تنظيم "القاعدة"، الذين تحالفوا مع حركة "طالبان" الأفغانية، ومنهم من غادر باكستان وأفغانستان بحثاً عن ساحات قتال جديدة لاستكمال مسيرة الجهاد، مثل البوسنة والشيشان وكشمير والصومال، ومنهم من عاد إلى بلده الأصلي لينخرط في ارتكاب أعمال عنف سياسـي فيها، مثلما حدث في جمهورية مصـر العربية والجمهورية اليمنية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية والمملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان التي شهدت موجة واسعة من التطرف والعنف من قبل "الأفغان العرب"، وهم الجهاديون العرب العائدون من أفغانستان، الذين رفعوا شعار مواجهة "العدو القريب" المتمثل في أنظمة الحكم العربية والإسلامية "الفاسدة" برأيهم، وكان هؤلاء هم نواة كثير من الجماعات المسلحة التي ظهرت في العالَمين العربي والإسلامي بعد ذلك، مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، و"الجماعة الإسلامية المقاتلة" في دولة ليبيا، وتنظيمات جديدة مثل "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) و"جبهة النصـرة" في الجمهورية العربية السورية وغيرها من الجماعات التي أفرزتها تجربة الجهاد الأفغانـي.
وفي الفترة نفسها، قام النظام العراقي بغزو دولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990م، ما استدعى تشكيل تحالف دولي ضم مئات الآلاف من الجنود من دول غربية وعربية وإسلامية كثيرة لتحرير الدولة الخليجية. ولكن بعد انتهاء حرب الكويت، بدأ التأجيج الجهادي ضد وجود قوات أجنبية غربية في شبه الجزيرة العربية، ما شكل أحد العوامل الدافعة لنقل الجهاد إلى شبه الجزيرة العربية تحت راية تنظيم "القاعدة" الجهادي، الذي ضم محاربين قدماء من جمهورية أفغانستان الإسلامية، والذين رأوا أن أولى مهماتهم الجديدة هي تحرير "أرض المسلمين" من القوات الغازية، وطرد القوات الأجنبية. وطوال عقد التسعينيات، كان هناك مخاض عسير في العالَمين العربي والإسلامي، ساعده بالطبع الحرب الأهلية في جمهورية أفغانستان الإسلامية بين تنظيمات مختلفة شاركت جميعها في الحرب ضد القوات السوفيتية.
تأسيس تنظيم "القاعدة"
ويمثل تأسيس تنظيم "القاعدة" رسمياً في عام 1988م؛ أي قبل سنة واحدة فقط من انسحاب السوفيت من جمهورية أفغانستان الإسلامية عام 1989م، نقطة تحول خطيرة في عمل التنظيمات الجهادية، ولا سيما بعد تحالف التنظيم مع حركة "طالبان" التي وفرت له مجالاً أوسع من حرية الحركة، ومناطق خاصة استغلها التنظيم في بناء معسكرات لتجميع المجاهدين وتدريبهم، وبناء شبكة من العلاقات مع الجماعات الجهادية الأخرى المنتشـرة في العالَمين العربي والإسلامي أمدها بالدعم والمساندة.
وقد عبر التنظيم عن خطورته على الأمن العالمي من خلال سلسلة من العمليات الإرهابية، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) يوم السابع من أغسطس 1998م، وتفجير المدمرة الأمريكية "يو إس إس كول"، في خليج عدن في أكتوبر 2000م بوساطة عملية انتحارية أسفرت عن مقتل 17 جندياً أمريكياً وجرح 38 آخرين، ووصلت ذروتها بتنفيذ هجمات الحادي عشـر من سبتمبر 2001م، التي كشفت بجلاء عن مدى قوة التنظيمات الجهادية وانتشارها؛ فبتلاقي التدمير الشامل، الذي أصبح ممكناً بالنفاذ إلى التقنيات الحديثة، والطبيعة العنيفة لمنظمي هذه الهجمات، والعدد الهائل من الضحايا الذين سقطوا فيها، والذي تجاوز الثلاثة آلاف شخص، وهو رقم يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف من قضوا من الأمريكيين في مجمل الهجمات الإرهابية خلال الثلاثين سنة الماضية، تكون هجمات الحادي عشـر من سبتمبر 2001م قد مثلت سابقة تاريخية، فللمرة الأولى في التاريخ يتمكن تنظيم متشدد من امتلاك قوة تدميرية كتلك التي تمتلكها دول ذات سيادة، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى شن حرب عالمية لمواجهة هذا الخطر الذي يمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وقد اتسعت رقعة عمل التنظيمات الدينية المتشددة في التسعينيات من القرن الماضـي، وتحولت بلدان مثل الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وجمهورية أفغانستان الإسلامية إلى بؤر من عدم الاستقرار السياسـي والأمني والمجتمعي. وتمددت شبكة "القاعدة" التي تأسست في أثناء الجهاد الأفغاني، ليصبح لها فروع في عدد من الدول العربية والإسلامية، مستفيدة من احتضان حركة "طالبان" الأفغانية المتشددة، التي سيطرت على جمهورية أفغانستان الإسلامية عام 1995م، وتقديمها تسهيلات الاستضافة والتدريب والتمويل. وبعدما كانت "القاعدة" تشكل تهديداً للسلم الأهلي والإقليمي في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، خاصة في دول الخليج العربية، أصبحت العنوان الرئيسـي للإرهاب بعد هجمات الحادي عشـر من سبتمبر 2001م.
كما قامت منظمات أخرى في أوروبا وآسيا، مستوحية فكر "القاعدة"، بهجمات في مملكة إسبانيا والمملكة المتحدة وجمهورية إندونيسيا، مثبتة بذلك، أولاً، أن الإسلام الجهادي قد أصبح معياراً لتقييم توجهات الإسلام السياسـي، وثانياً أن الإسلام السياسـي ممثلاً في الجماعات الدينية السياسية قد أصبح موضع شك بعد أن تهاوت صدقية شعاراته وتهافت ادعاءاته وخطابه السياسـي الذي كان يزعم امتلاك برامج وخطط تعبر عن طموح الشعوب الإسلامية في أجندة سياسية ذات مرجعية دينية يمكن أن تخدم مصالحها الحياتية والمعيشية في المستقبل.
ونتيجة لهجمات الحادي عشـر من سبتمبر 2001م، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية شن ما سمته حرباً على الإرهاب، كانت أولى معاركها الكبرى الحرب في جمهورية أفغانستان الإسلامية والقضاء على نظام حركة "طالبان" المتحالف مع تنظيم "القاعدة". كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003م، في أثناء ولاية الرئيس جورج بوش الابن، بشن حرب على جمهورية العراق؛ بتهمة دعم الإرهاب الدولي. وقـد انتهـت تلـك الحـرب بانسحاب القوات الأمريكية مع نهاية عام 2011م.
ولكن بعد كل الحروب على التنظيمات الجهادية المتشددة، لا يظهر أن الجهاد المتشدد قد اندحر أو أنه قريب من الهزيمة، فلا يزال الجهاد المتشدد عنوان المشهد العربي والإسلامي، وقد يظل الوضع كذلك إلى أجل غير معلوم في ظل تنامي خطر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وتصدي التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة حلفائها من الدول العربية والإسلامية والغربية لخطر هذا التنظيم.