الحلقة 4 من "السراب": الدين والسياسة..علاقة تاريخية وصـراع دائم
24- أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة الرابعة
الفصل الثاني| الدين والسياسة: علاقة تاريخية وصـراع دائم (1)
الخلط بين الدين والسياسة
تبقى مسألة فصل الدين عن السياسة أو الدولة، محوراً مهماً من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالَمين العربي والإسلامي، ليس فقط بسبب علاقتها العضوية بتاريخهما من حيث الانتماء والتوجه، ولكن أيضاً لأنها تؤثر في خطط تحقيق التنمية بنواحيها المختلفة وفي مدى هذه التنمية الزمني وعمقها. وتبدو هذه المسألة، أي فصل الدين عن السياسة، اليوم أكثر محورية من ذي قبل، إلى جانب أهميتها المستدامة دائماً، بسبب التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية العميقة التي شهدها - ولا يزال يشهدها - العالَمان العربي والإسلامي، وصعود تيار الإسلام السياسـي إلى سدة الحكم ووصوله إلى قمة السلطة في عام 2011م في بعض البلدان العربية؛ فصانع القرار العربي يحتاج إلى الإجابة عن أسئلة محورية في عملية التنمية البشـرية وغيرها، ويرى أن مسألة الخلط بين الديني والدنيوي صعبة الإدارة بسبب التداخل المعقد بين عوامل الدين والدنيا، في عالم لا يمكن تجاهل حجم تعقيداته وتداخلها.
والإنسان العربي والمسلم في جميع الأقطار العربية والإسلامية أيضاً، يرى أنه في سعيه إلى تحسين وضعه السياسـي والاقتصادي والاجتماعي عليه أن يجيب عن كيفية البقاء على تدينه والاستفادة من الظروف الدنيوية، مدركاً في الوقت نفسه، أنه في منافسة دائمة مع غيره، داخل عالمه الصغير والعالم الأوسع، وأنه الوحيد القادر على تحسين أوضاعه وأوضاع أسـرته ومجتمعه.
يسعى هذا الفصل إلى التعريف بمسألة الخلط بين الدين والسياسة، أي الدولة، التي يركز عليها تيار الإسلام السياسـي بمختلف جماعاته وأحزابه، وإعطائها خلفية تاريخية معتمدة على تطور المجتمعات كمعيار لوجودها أو غيابها أو إدارتها، في العالَمين الغربي والإسلامي، ثم ينتقل إلى الحديث عن عملية الفصل بين الدين والسياسة في العالم الغربي، المسيحي بالطبع، وكيف تضافرت الظروف الموضوعية، الداخلية في الكنيسة والخارجية في الدولة، لتنهي حقبة سيطرة الكنيسة على الدولة. وفي الجزء الثاني، يسعى هذا الفصل إلى تحليل أسباب الخلط بين الدين والسياسة في العالَمين العربي والإسلامي، ومشـروع الإسلام السياسـي للإبقاء على هذا الخلط، والحديث في الوقت نفسه عن أمثلة إسلامية من نجاح الفصل بينهما. أما الجزء الثالث من الفصل، فيحلل كيف يمكن للخلط بين الديني والسياسـي أن يزرع الشقاق والخلافات بين المذاهب نفسها وفي المجتمع الأوسع، داحضاً قدر المستطاع فكرة أن الدولة الإسلامية الأولى عند نزول الوحي، كانت دولة خالية من النزاعات، لأنها مزجت بين الدين والسياسة. وأخيراً، يطرح الجزء الأخير من الفصل بديلاً معاصـراً لدولة إسلامية استطاعت فصل الدين عن سياستها، بالرغم من أن هذا الدين لا يزال حاضـراً في المؤسسات والمجتمع على حد سواء.
أولاً: الخلط بين الدين والسياسة
قد يكون من المهم طرح فكرة أولية وعامة في هذا الفصل، مفادها أن عملية الخلط بين ما هو ديني وما هو سياسـي كانت حتمية، بسبب الظروف الموضوعية لتطور المجتمعات، والطبيعة الإنسانية التي تريد إيجاد حيز للروحي إلى جانب الدنيوي، فالمجتمع في مراحله الأولى يلجأ إلى ما يعطيه تفسيراً سـريعاً ومبسطاً لأمور الحياة، وهو ما استطاعت المؤسسات الدينية على أنواعها تقديمه على مر العصور. والدين بطبيعته، كمنظومة إنسانية، يجمع بين الإيمان بالغيبيات والواقع، بين الروحي والاقتصادي والاجتماعي، ويعبر عن طموحات الإنسان إلى حياة ناجحة.
ومن الواضح أن دور الدين في الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات، يشغل علماء الاجتماع والمؤرخين وعلماء السياسة والفلاسفة ورجال الدين على حد سواء، لأنه في الوقت نفسه عقيدة سياسية ونظام معتقدات وقوة اقتصادية واجتماعية. ولقد حاول بعض علماء الاجتماع تجاهل العلاقة العضوية بين هذين المجالين (الدين والسياسة) في الوضع الإنساني، ولكن محاولاتهم لم تحقق نجاحاً يذكر، على الأقل في الفترة القصيرة الماضية، حيث تنامى دور الدول النامية ضمن منظومة العلاقات الاجتماعية والدينية الدولية، وهي التي تعتبر أن المجالين لا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً.
أما عن العلاقة بين الدين والسياسة، فأرى أن هناك بعض الأساسيات التي لا يمكن تجاهلها: أولاً، لفهم العلاقة بين الدين والسياسة، علينا فحص العلاقة بين الدين والحقائق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع وتحليلها. ثانياً، يجب النظر إلى السياق التاريخي للظواهر والجماعات الدينية حيث توجد. ثالثاً، على العلماء التركيز على المقاربة المنهجية المعتمِدة على المقارنة التاريخية والإمبريقية لاستخراج النتائج التحليلية حول المظاهر الداخلية والخارجية لما يدرسونه، ولاسيما فيما يتعلق بالسياق التاريخي للدين وتطور الظاهرة الدينية وطبيعتها المرنة والمتغيرة زمنياً ومكانياً، خاصة أن لكل جماعة أو حركة أو تيار تفسيره الخاص لهذا الدين أو ذاك. فمثلاً، للتيار الليبرالي في الإسلام، الذي مثَّله الإمام محمد عبده وآخرون، مواقف مختلفة عن تلك التي يحملها المحافظون، الذين مثّلهم محمد رشيد رضا ومن سار على دربه. وفي هذه الحال، يمكن الجمع بين التيارين الإسلاميين اللذين يعتبران صلب المذهب السني الذي تعتنقه غالبية المسلمين (الليبرالي والمحافظ)، وفهم أوجه التشابه والاختلاف بينهما فيما يتعلق بمظاهر التدين أو تطبيق الدين في الحياتين العامة والخاصة.
النهضة والتنوير
لقد مر العالَمان العربي والإسلامي في تاريخهما الحديث بفترة من النهضة والتنوير، بين الربع الرابع من القرن التاسع عشـر والنصف الأول من القرن العشـرين الميلادي، حين حاول الطامحون تغيير حالته المتخلفة بعد قرون من استبداد دولة الخلافة العثمانية، التي كانت مركز الخلافة الإسلامية لنحو خمسة قرون، والتراجع الحضاري والثقافي منذ الغزو المغولي للإمبراطورية العربية القديمة في منتصف القرن الثالث عشـر الميلادي، ومن هؤلاء المستنيرين محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي، ومنهم أيضاً عدد كبير من المسيحيين العرب الذين اعتبروا أنفسهم حماة للغة والحضارة العربيتين. وساعد على ذلك أن جمهورية مصـر العربية وبلدان المشـرق العربي (لبنان وسوريا وفلسطين والعراق) استفادت في هذا الوقت من المجال الذي أفسحه الاستعماران البريطاني والفرنسـي لتطوير النواحي العلمية والثقافية والأدبية، التي اعتبرت بعيدة عن السياسة، برغم بعض المشكلات التي سببها بعض المستنيرين والساسة العرب تحت الاحتلالين البريطاني والفرنسـي. ويصف أحد الباحثين تلك الفترة بأنها كانت تعبيراً عن "إرادة في القطع مع أزمنة ماضية اعتبرت تأخراً عن ركب الإنسانية المتقدمة"، وبأنها كانت انتفاضاً "في وجه الخمول والتأخر والانحطاط وطلباً للحيوية والتقدم والارتفاع".
وما يهمنا من هذه العودة إلى عهد التنوير العربي والإسلامي في تلك الفترة، أن ذلك العهد كان عنواناً لمحاولة كبيرة من قبل المثقفين في العالَمين العربي والإسلامي، لتخطي الحواجز الطائفية والدينية من أجل: أولاً، إعلاء شأن الأمة العربية والإسلامية بعد قرون من الانحطاط، بمعنى أنها كانت حركة وطنية للتحرر والانعتاق. ثانياً، الاستفادة من تجارب الغرب الذي كان قد قرر فصل الدين عن الحياة السياسية، والتركيز على العلم والإبداع والتغيير الاجتماعي والسياسـي والاقتصادي ما أسهم في دخوله عصـر الحداثة والهيمنة على العالم. ولكن المستنيرين العرب والمسلمين اصطدموا بعد فترة باستفاقة المشـروع الديني بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة العثمانية، وظهور جماعات دينية سياسية تأثرت بالأفكار الفاشية في عشـرينيات القرن العشـرين الميلادي، وبدأت بالتخطيط لتنفيذ عملية تحويل النضال الوطني إلى نضال ديني إسلامي، سنّي بشكل عام، بسبب الخوف من تأثير المدنية في المجتمعات العربية والإسلامية. ويجب التذكير في هذا السياق بأن المدنية وأنصارها دفعوا ثمن نجاح الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917م، إذ اتُّهِموا بكونهم شيوعيين معادين لله وشـريعته، وبالتالي خسـروا أي دعم شعبي لمشـروعهم الوطني الوحدوي، ونجح بدلاً منهم حسن البنا والإخوان المسلمون الذين اعتبروا من قبل الغرب أداة لمحاربة اليسار ووقف حركة التحرر العربي.
وكما أشـرت إليه سالفاً، فقد شَكَّل الخلط بين الدين والسياسة في التاريخ الغربي المسيحي عاملاً أساسياً في دخول أوروبا عصورها الظلامية لقرون عديدة، واتسمت هذه الفترة بسيطرة الكنيسة المسيحية على الدولة والسياسيين ومؤسسات الدولة كافة، في تطبيق صـريح لمفهوم الدولة الدينية، الذي يعرِّفه أحد الباحثين بأنه "جمع السلطتين الدينية والزمنية [السياسية] أو وضعهما في يد واحدة. وما إن يحدث ذلك حتى تكتسب سلطة الدولة نوعاً من العصمة أو القداسة وتتعالى على المساءلة والمحاسبة". وكانت أوروبا طوال الفترة بين القرنين الرابع عشـر والسادس عشـر الميلاديين، دولة دينية كبرى يحكمها البابا من روما بحكم سلطته الدينية غير المتنازعة، واضطلع فيها بمسؤولية الأمر والنهي في الأمور الروحية والدنيوية، وأعلن الحروب وجند الجيوش، للفتح أو للدفاع، وهي الفترة التي سميت عصور الظلام الأوروبية. وقد بدأت الحملات الصليبية بين القرنين الحادي عشـر والثالث عشـر الميلاديين، حين طلبت بيزنطة مساعدة من بابا روما، الذي منح كل من يسهم في الجهد الحربي عفواً عاماً عن كل الذنوب، وعلل دعوته لهذه الحملات بتحرير القدس. وبدأت الحملات الصليبية من الغرب إلى الشـرق عام 1096م وانتهت بالفشل النهائي في أواخر القرن الثالث عشـر الميلادي. كما يذكر أن البابا دعم حملات عسكرية لتوسيع حكم الكنيسة في شمال أوروبا، ودعا إلى مواجهة المسلمين واليهود والوثنيين أينما كانوا؛ حيث صمد العالم الإسلامي أمام هذه الحملات وهو مفتت الأواصـر، مشتت القوى، ولكن كلما ضاق الأفق ظهر أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين ثم صلاح الدين الأيوبي، في تتابع لافت للنظر بين هؤلاء الثلاثة، ما أعطى المسلمين زخماً كبيراً حتى لا ينكسـروا، كما أن فيضان النيل أنقذ مصـر من حملة لويس التاسع.
ويكتب سايمون نيومان أن المسيحية، وبالتحديد الكنيسة الكاثوليكية، هيمنت كلياً على القارة الأوروبية في القرون الوسطى، حيث لم يكن هناك أي تيار مسيحي آخر، وأسست كاتدرائيات وجامعات مثل جامعة باريس وكامبريدج وأوكسفورد. وكانت كل القوانين والأدوار السياسية للحكومة والدولة في أيدي قادة الكنيسة.
أما حياة الناس العاديين فكانت من الولادة حتى الموت في يد الكنيسة أيضاً، التي احتفظت بكل الموارد والقوة والنفوذ. وقد أنتجت سيطرة الكنيسة ورجال الدين حملات ضد الأديان الأخرى التي اعتبرت أديان كفر، وقاد رجال الدين هذه الحملات، وكان أهمها ضد المسلمين واليهود والغجر والوثنيين، وعانى منها اليهود أيضاً، لأنهم اعتبروا الأكثر تهديداً للمسيحية، ومن هنا ظهر ما يُعرف بمعاداة السامية. ولزيادة سيطرتها والحفاظ على امتيازاتها، اعتمدت الكنيسة أيضاً على بعض رجال المال والسياسة، ففي القرن الخامس عشـر الميلادي، وصلت الكنيسة إلى مكانة لم تكن فيها موضع العبادة والطقوس فقط، وإنما مؤسسة مالية ومصدراً للحصول على ثروات حيث كان الكثير من الأساقفة والمطارنة أمراء دنيويين، وأصبح الواقع أكثر تعقيداً فيما يخص علاقة الكنيسة بالسياسة والاقتصاد، فعلى سبيل المثال كان هناك جوليوس الثاني الذي عرف في أوروبا بالبابا المخيف، الذي كان يبيع صكوك الغفران، وتورط في المحسوبية.
ارتبطت سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الحياتين المدنية والدينية للأوروبيين بممارسة أشد أنواع التعذيب والقتل والتنكيل ضد معارضـي وصايتها ومعتقداتها
وقد ارتبطت سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الحياتين المدنية والدينية للأوروبيين بممارستها أشد أنواع التعذيب والعنف ضد كل من تعتبره خارجاً عن وصايتها أو معارضاً لمعتقداتها، فهؤلاء كان دائماً مصيرهم الحرق أو القتل أو التعذيب والتنكيل حتى يعودوا عن تلك الأفكار. ويشكل "نظام التفتيش"، الذي أوجده البابا "جريجوري التاسع" عام 1233م، والذي اتخذ طابعه القانوني على يدي البابا "إنوسنت الرابع" عام 1252م، أكثر الآليات وحشية وقمعاً في تاريخ البشـرية، وأحد أخطر الأسلحة التي استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية لمحاربة من يحاول المساس بسلطتها ونفوذها، فبموجب هذا النظام الذي استمر حتى أواخر القرن الثامن عشـر الميلادي، كان يتم إحراق كل من يجاهر بأي أفكار تعتبرها الكنيسة مخالفة لمعتقداتها، ومصادرة أملاكه وهدم بيته، وحرمان أولاده إلى جيلين من كل منصب يدر مالاً، إلا إذا وشـى أو بلغ عن شخص آخر ملحد أو مخالف للرأي، وقدر عدد الضحايا الذين ماتوا بهذه الطريقة بمئات الآلاف في أنحاء العالم المسيحي كله. وأسهم هذا الوضع في ربط الدين نفسه في أذهان الأوروبيين بالتخلف والقمع، ومن ثم كان التحرك للتخلص من هذا الوضع يعني من ضمن ما يعنيه التخلص من كل مظهر من مظاهر الدولة الدينية والانتقال إلى الدولة المدنية باعتبارها المخرج والسبيل لتحقيق النهضة والتقدم.
وفي بداية القرن السادس عشـر الميلادي، اجتمع عدد من العوامل لإضعاف الكنيسة وسيطرتها، منها ما هو من صُنع يدها ومنها ما هو من الخارج، فلقد ازداد الفساد في الكنيسة، وازداد تسلط البابوات وخوفهم على حكمهم وسيطرتهم، وانخفضت نسبة التدين عند الأساقفة مقابل ارتفاع نسبة حب المال والنفوذ، بحيث إن الكنيسة أصبحت عبارة عن دولة مهترئة تنتظر قيام المعارضة في الداخل بثورة ضدها. وانحسـر إيمان المسيحيين العامّة بقدرات الكنيسة على إصلاح أوضاعهم المعيشية والروحية. كما كانت الكنيسة قد عانت سابقاً عدم قدرتها على المساعدة على محاربة الطاعون الذي أصاب أوروبا في القرنين الرابع عشـر والخامس عشـر الميلاديين، ما أفقدها قدسيتها التي اعتمدت عليها في سلطتها. وبدأت بعد ذلك عملية الإصلاح الديني في الكنيسة، وبزغ نجما مارتن لوثر وجون كالفين اللذين دفعا باتجاه تحرير الإنسان الأوروبي والتركيز على أهمية الفرد، بدلاً من أهمية الجماعة التي تسيطر عليها الكنيسة. أما الحدث الأهم، فهو صعود طبقة جديدة من رجال المال والصناعة، الذين ساعدتهم الاكتشافات الحديثة فيما يعرف اليوم بالقارة الأمريكية، بمعنى أن الكنيسة وجدت نفسها متنافسة مع طبقة رأسمالية وتجارية جديدة وقوية، تعتمد في وجودها على العلم والثروة والعيش الحضـري، وهي الطبقة البرجوازية، التي لعبت الدور الرئيسـي في تحجيم سلطة كنيسة العصور الوسطى.
وفرضت الطبقة الرأسمالية الجديدة نفسها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، ولكنها وجدت أكثر المجالات لنجاحها في بريطانيا، التي كانت السباقة إلى تطوير الصناعة لتحل محل الزراعة، وبالتالي قضت على الطبقة الإقطاعية المستفيدة من علاقاتها الحميمة مع الكنيسة. كما كان لاختراع آلة الطباعة على يد العالم الألماني يوهان جوتنبرج عام 1449، تأثير كبير، لأنها ساعدت على إيصال الكلمة المقروءة إلى جمهور أوسع، ووفرت سبيلاً لمعرفة الحقيقة عن العالم بمنأى عن تحليل الكنيسة وخرافات الكهنة. ومع إضعاف الكنيسة والطبقة الإقطاعية الداعمة لسيطرتها، جاء الفصل بين الدين والسياسة ليتوج محاولات الإصلاحيين الأوروبيين لتقليص سيطرة البابا والكهنة على الرعية.
أما في العالَمين العربي والإسلامي، فليس هناك حتى الآن فصل بين الدين والسياسة، وأعتقد أن الخلط بين الدين والسياسة في منظومة واحدة غير صحيح ويتسبب في إشكاليات معقدة بل هو أحد أسباب الاضطراب الداخلي الراهن في دول عربية وإسلامية عدة. ومن المنظور ذاته يمكن القول إن الثنائية الغربية (أي المسيحية) تهمل الطبيعة الشمولية للعلاقة بين الدين والسياسة، وبالتحديد بسبب كونها نتاجاً للظروف الموضوعية للمجتمع الغربي. أما في الإسلام، فهناك إيمان عميق بالصلة بين الديني والدنيوي، والدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة جمعت السياقين بشكل جيد، لأنها هي نفسها كان لها ظروفها الموضوعية الذاتية، وإن كان هذا النجاح لا يبرر مطلقاً الدعوة إلى استنساخ التجربة ذاتها في الوقت الراهن، ولاسيما أن محاولات تطبيق هذه التجربة تتمسك بالتقليد ولا تعترف بالتجديد ومواكبة العصـر والتطور، بل تفرز نماذج وممارسات سياسية مسيئة للإسلام. وهذا كله لا ينفي بطبيعة الحال أن المسلمين الأوائل رأوا أن الصيغة الأفضل للحكم هي في الوحدة بين الدين والدولة، ما يعني باختصار المعادلة التالية: "ما هو ديني في الإسلام هو سياسـي بشكل واضح؛ وما هو سياسـي هو ديني بشكل عميق".
تصنيف المنظومات الدينية
ويرى دونالد إي. سميث أنه يوجد معياران اثنان لتصنيف المنظومات الدينية، يتمثلان في التفسير الديني للتاريخ. والإطار الذي يربط النظام الديني بالنظام الاجتماعي، فالمنظومات الدينية التاريخية تشير إلى الأديان الرئيسية في العالم مثل الإسلام والمسيحية واليهودية. وهذه المنظومات الدينية تفسـر العالم على أساس وجود خالق محدد، وهو الله، وقصة الخلق على أساس قصة آدم وحواء. أما في البوذية والهندوسية فإن التاريخ ليس له معنى محدد؛ ففي البوذية على سبيل المثال، يُنظر إلى التاريخ على أنه عملية دورية أو متكررة لا نهاية لها لبروز الأفكار الدينية وانحسارهـا.
ويعتقد سميث أن المنظومات الدينية العضوية تساوي بين الدين والمجتمع وتعتبرهما متطابقين تماماً. ويرى أن القانون المقدس والهيكل الاجتماعي موجودان في صميم الدين. أما المنظومات الدينية الكنسية فهي تبني هيكلاً من داخل المجتمع، ولكنه يُعتبر هيكلاً مؤسساتياً منفصلاً.
وتعد المنظومات الكنسية أكثر تقبلاً للقيم والأفكار المدنية، بسبب تأكيدها تطوير المؤسسات الكنسية، ولكن المنظومات العضوية تتميز بأن لديها مستوى محدوداً من المؤسسات الدينية، تتجاوب بتناغم أقل وبفاعلية أدنى بكثير؛ فالناس العاديون البسطاء يجب عليهم القيام بالعديد من المهام لمقاومة تيار المدنية، وتنظيم القوى السياسية، وإعادة صياغة العقيدة أو الفلسفة الاجتماعية بحسب ما يرى سميث.
وبالرغم من أنه من الصعب اعتماد مقياس واحد من علاقة الدين بالدولة في العالَمين العربي والإسلامي، بسبب اختلاف الأنظمة (ملكية، جمهورية، عسكرية، مدنية... إلخ)، فإن هناك بشكل عام وجوداً قوياً للدين في الحياة السياسية والاجتماعية العربية والإسلامية. وبالطبع تختلف درجات هذا الوجود القوي والمؤثر في المملكة العربية السعودية عن وجوده المعتدل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى أو الدول الجمهورية ذات الطبيعة المغايرة. وبالتالي، تصبح قضية الفصل بين المبدأين معرّضة لتفسيرات معينة قد تكون آنية أو مستدامة، وقد تصل بالدولة العربية والإسلامية المعنية إلى أن تفقد هويتها أو أن تفقد سلامها الداخلي. ويعتبر كثير من المؤمنين بدور الدين في الحياة السياسية، وبالتحديد الجماعات الدينية السياسية، أن فصل الدين عن الدولة هو المدنية بذاتها، ويعتبرونه ضـرباً من ضـروب الكفر والإلحاد. ويرى الإخوان المسلمون أن كل الداعين إلى الفصل بين الدين والدولة هم إما كفرة محققون وإما مسلمون بما لا يكفي. وربما كانت غرابة مثل هذا الطرح هي الدافع الذي يفسـر تساؤل خالد الدخيل حول إذا ما كانت المدنية هي التي أوصلت الغرب إلى عصـر النور والتقدم، فكيف يمكن أن نقول إن المدنية كفر؟ قاصداً أن قولهم هذا يخالف التحليل العلمي.
الإيمان بالعنف
ودمج الدين في السياسة هو من أهم مبادئ الإسلام السياسـي، على اختلاف حركاته وأحزابه وجماعاته. وهو مبدأ واحد إلى جانب مبادئ أخرى تشدد على أحقية الدين في الفصل في أمور الحياة كلها من دون مساحة لإعمال العقل، ومراعاة مقتضيات الواقع. والإسلام السياسـي يدعو إلى العودة إلى الجذور في الإسلام، بمعنى العودة إلى ماضٍ سحيق خالٍ من المشكلات، ويدعو إلى إعادة بناء دولة الخلافة الأولى. ويعتبر أن مشكلات التخلف السياسـي والاقتصادي والاجتماعي عند المسلمين هي من صنع الأنظمة المتسلطة والاستعمار، ولا يمكن حلها من دون العودة إلى أصول الدين وتطبيق مبادئ الشـريعة التي تحتوي، بالنسبة إليهم، على كل ما يحتاج إليه الإنسان المعاصـر، وهكذا جاء شعار "الإسلام هو الحل" عند الإخوان المسلمين. والإسلام بالنسبة إليهم هو نظام متكامل من الأفكار والمعتقدات الاجتماعية والاقتصادية. أما المتشددون من الجماعات الدينية السياسية، فيؤمنون بأن العنف هو أفضل طريقة لإحلال شـرع الله في الأرض، ولا ضير إذا قتل في المعركة جموع من المسلمين. وفي هذا، لا فرق بين المتشددين سنة كانوا أو شيعة، مسلمين كانوا أو مسيحيين أو يهـوداً.
دمج الدين بالسياسة
من ناحية ثانية، يعتبر فصل الدين عن السياسة علامة من علامات التقدم الإنساني والتحديث عند الغرب، ليس لأن الدين عامل تأخر ورجعية، بل لأن الحداثة تحتاج إلى تغيير العقلية الإنسانية بطريقة علمية. وبشكل عام فإن التحديث هو عملية متداخلة صعبة التعريف، ولكنها لا بد من أن تشمل التغيير من مجتمعات فقيرة وقروية وزراعية إلى أخرى صناعية ومتقدمة فكرياً واجتماعياً. وعلى الخلفية السابقة تطرح تساؤلات مفادها: هل يساعد الدين على هذه العملية أم يمنعها من التحقق؟ الجواب هنا يعتمد على الدين قيد البحث وهيكله ونوعه، وعلى هيكلية التحديث المطلوب ونوعه، لكن الأمر المؤكد هو أن الدين أصبح عاملاً مهماً في هذه العملية لأنه يحتوي على وسائل التأقلم مع الأوضاع الجديدة. كما تطرح أيضاً تساؤلات حول العلاقة بين المدنية وإمكانية قيام الدولة الحديثة، حيث يرى باحثون أن هناك علاقة غير طردية بين الدين والحداثة، بمعنى أن الدين يفقد بعض قوته مقابل عملية التغيير التقني والفكري في المجتمعـات.
مسؤولية المسلم هي بالأساس أمام الله
وهناك آراء أخرى داعمة للفكرة القائلة إن الإسلام كنظام ديني عضوي لا يحتوي على مؤسسات مستقلة عن الدولة (ما يصعّب فكرة الفصل بين الدين والدولة). وبسبب هذا، لا يشعر المسلم بأن لديه مسؤوليات أو التزامات عقائدية أمام أي مؤسسة دينية أو رجال دين، بل هو مسؤول بالأساس أمام الله. كما أن صعوبة تأسيس الدولة المدنية في العالَمين العربي والإسلامي تنبع من غياب التفريق بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فتاريخياً، توسعت الدولة في الإسلام عن طريق الفتوحات. وحين يستخدم التفكير الغربي في محاولة فهم علاقة الديني بالدنيوي في العالَمين العربي والإسلامي، تبرز مشكلات تحليلية صعبة التجاوز، منها غياب المؤسسة الدينية المستقلة، وعدم النص في القرآن الكريم على مفهوم "الدولة" بمعناها الاصطلاحي الوارد في الأدبيات السياسية المعاصـرة. وما حدث في الحقيقة هو أن السلطة السياسية (بعد فترة الخلفاء الراشدين) سيطرت على الدين، واستخدمته في ممارساتها للسياسة، والملوك والسلاطين والخلفاء، الذين جاؤوا بعد العقود الأربعة التي تلت وفاة الرسول ﷺ، أعطوا الحرية للدولة كمجموعة مؤسسات وأشخاص، لأن تقوم بما يجب من دون فرض التحليل الديني عليها أو على أي من مهماتها (مثال: مفهوم أهل الحل والعقد).









رد مع اقتباس