الحلقة 9 من السراب | الإخوان المسلمون.. الأهداف والوسائل













24 - أبوظبي



أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.


ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.



الحلقة التاسعة

الباب الثاني: حــالات تــطــبــيــقــيـــة


الفصل الثالث: الجماعات الدينية السياسية الأهداف والوسائل


ثالثاً: الأهداف والوسائل

تقوم أي جماعة أو حزب أو تنظيم أو هيئة من أجل تحقيق أهداف محددة، بعضها مرحلي والآخر استراتيجي نهائي، وفي هذا الإطار فإن التعرف إلى أهداف جماعة الإخوان المسلمين يكتسب أهمية خاصة لتحديد مدى فاعلية الجماعة ومن ثم مدى نجاحها في تحقيق هذه الأهداف، التي يمكن الإشارة إليها بحسب ما ورد في النظام الأساسـي واللوائح التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين كما يأتي:

1. تطبيق الشـريعة الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.

2. تبليغ الإسلام إلى الناس وفقاً لمنهج جماعة الإخوان المسلمين (يرتكز منهج جماعة الإخوان المسلمين وفكرها في شقيه الدعوي والتنظيمي على رؤية مؤسس الجماعة حسن البنا التي وردت في "مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا"، وهو كتاب تبجله الجماعة وتضعه في مكانة روحية تضاهي مكانة كتب الحديث والسنة النبوية الشـريفة، بالإضافة إلى الأطر الفكرية التي أوردها منظر الجماعة السابق سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق").

3. العمل على رفع مستوى المعيشة وتنمية الأمة.

4. إحياء روح الجهاد، والعمل على تحرير أراضـي المسلمين المغتصبة، ومساعدة الأقليات المسلمة.

5. السعي إلى تحقيق وحدة الأمة الإسلامية.

ويلاحظ أن هذه الأهداف في مجملها أهداف سامية تداعب مشاعر المسلمين جميعاً، وربما لا يوجد خلاف عليها، كما يلاحظ أيضاً أن أي تيار ديني سياسـي ربما يمتلك الأهداف ذاتها، ولكن تبقى الممارسة حكماً وشاهداً في ظل سـرية الأهداف الحقيقية للجماعة، التي لم تشـر إلى أن كل هذه التصورات تخضع في النهاية لمنهج الجماعة ورؤيتها الذاتية وفهمها للأمور، وهنا تحديداً تبدأ رحلة الشطط والجدل والإقصاء.

وقد استخدمت الجماعة من أجل تحقيق أهدافها منذ سنوات التأسيس الأولى وسائل ومناهج وتقنيات مختلفة مثل التربية الفردية، والتدريب البدني والفكري، والدعاية ووسائل الإعلام من صحف ومجلات، وكذلك الكتابات والمؤلفات والمساجد. ويمثل مبدأ الالتزام والطاعة أحد أهم ضوابط عمل الجماعة داخلياً، وقد لجأت، خاصة بعد صدامها الأول مع النظام الملكي في مصـر قبل عام 1952م، إلى العمل السـري واستمرت فيه كمنهج أساسـي وتحول إلى إحدى أهم خصائص عملها، بل وربما السبب الرئيسـي في غموض نشاطها وتطور أهدافها، ومن ثم الامتعاض الرسمي منها، بل محاربتها أحياناً، وهذا كان أحد العوامل الرئيسية في فشل تجربتها في الحكم في جمهورية مصـر العربية خلال 2012-2013م، حيث تعاملت باعتبارها جماعة منغلقة وليس ضمن نظام سياسـي له قواعده ومؤسساته في الحكم، وفشلت الجماعة تماماً في الخروج من الأطر الأيديولوجية الجامدة إلى فضاء العمل الوطني، والوقوف على مسافة واحدة من الاتجاهات الفكرية والقوى السياسية على الساحة المصـريـة.



رابعاً: فكر جماعة الإخوان المسلمين ومنهجهم

ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الإسلام دين شامل يدخل في مختلف نواحي الحياة البشـرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث يقول مؤسسها حسن البنا في إحدى رسائله:

إن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية.. وثقافة وقانون. وإن المسلم مطالب بأن يعنى بكل شؤون الأمة.

وبالتالي، فالإخوان المسلمون لا يعتبرون أنفسهم مجرد جماعة دينية دعوية فقط، ولكنها أيضاً "هيئة سياسية"؛ لأنها وفق ما يقوله البنا في رسائله تطالب بإصلاح الحكم من الداخل، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قرر: أن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً
وأن مشاركتهم في السياسة تهدف في الأساس إلى إصلاح المجتمع وتطبيق تعاليم الإسلام وأحكامه. وكان تدخل الإخوان المسلمين في السياسة من منطلق أن الإسلام أفتى في شؤون الحياة كافة، وتناول أمور الدنيا جميعها، وأن الإسلام بغير السياسة لا يكون إلا مجموعة من العبادات، كما اعتبر الإخوان المسلمون أن من يؤمن بالفصل بين الدين والسياسة خصم للإسلام وجاهل به. لذا كان للإخوان موقف من القضايا المرتبطة بالدولة كنظام الحكم، والديمقراطية، والأقليات وغيرها من القضايا المرتبطة بالحكم وإدارة الدولة والمجتمع.



على الصعيد السياسـي، أيد الإخوان المسلمون المبدأ السلفي الذي يطالب بضـرورة العودة إلى المجتمع المثالـي الـذي وضـع أسسـه النبـي محمد ﷺ في القرن السابع الميلادي. وقد كان البعد السياسـي للإسلام مهماً بالنسبة إلى فكر الإخوان المسلمين، حيث قال البنا:

الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.

ويعتبر كتاب سيد قطب معالم في الطريق من أهم الكتب التي تشـرح فلسفة جماعة الإخوان المسلمين وفكر الحركة ومبادئها، ولكن هيئة علماء الأزهر انتقدت الكتاب مراراً، واعتبرت قطب من الخوارج بسبب استخدامه مفهوم الحاكمية الذي يعارض أي سلطة دنيوية. ويعتبر الكتاب المذكور دستوراً للجماعات الدينية المتطرفة في العالَمين العربي والإسلامي، وهو أحد الكتب القليلة التي تناقش سياسات المجتمعات المعاصـرة، وتقارنها بالنموذج السياسـي الإسلامي. فالكتاب لا يرفض الأنظمة المعاصـرة في العالَمين العربي والإسلامي فحسب، بل يطرح أيضاً فكرة أنه على الجماعات الإسلامية أن ترفع قفاز التحدي في وجه شـرعية الأنظمة المعاصـرة، فمفهوم الجاهلية:

يمثل حجر الزاوية الذي يستند إليه البناء النظري لكتاب معالم في الطريق. ولو كان صحيحاً أن المجتمعات المعاصـرة لا تختلف كثيراً عن مجتمعات الجاهلية قبل الإسلام وتعتبر صورة حديثة طبق الأصل منها، فإن على المسلمين أن ينظروا إلى تلك المجتمعات كما كان الرسول ﷺ وأصحابه ينظرون إلى مجتمعهم.

ويُعرِّف سيد قطب "الجاهلية" بأنها:
أي مجتمع غير إسلامي... وأي مجتمع يُعبد فيه إله غير الله... وهذا يعني أن علينا أن ندرج تحت هذه الفئة أيضاً المجتمعات كافة الموجودة على الأرض.

وبعد تعريف "مجتمع الجاهلية" في مقابل المجتمع الإسلامي يشـرح سيد قطب كيفية تحوُّل الجاهلية إلى مجتمع إسلامي: فأولاً، كي نغير أحوال الجاهلية يجب على المسلمين أن يعودوا إلى المصادر الأصلية، أي القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة؛ وثانياً، يعد الجهاد وسيلة مشـروعة لمقاومة قوى الظلام الجاهلية.



ويعتبر الإخوان المسلمون أن الدول الإسلامية التي تطبق القوانين المدنية دول تعيش في الجاهلية، ومن ثم يؤكد الإخوان المسلمون الدور السياسـي للإسلام:

إن هذا الدين لم يأتِ كي يظل محصوراً في دُور العبادة... بل لإدارة شؤون الحياة كافة، وبناء مجتمع طبقاً لرؤيته للحياة، ليس عن طريق الوعظ وحده، بل بسن القوانين والتشـريعات أيضاً.

ويعتبر الإخوان المسلمون العقد بين المسلمين وحكوماتهم مشـروطاً بتطبيق الشـريعة، وإذا لم يطبق الحاكم الشـريعة فإن هذا العقد يُعد ملغًى، ويُعتبر الجهاد حينئذ وسيلة إسلامية مشـروعة لعزل الحاكم.

وقد طرح الإخوان المسلمون أيديولوجية بديلة في أثناء فترات التخلف والاضطرابات، وأصبحت الجماعة نشطة وفعالة في أثناء فترة الصدام بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الحديثة. ويرى تالكوت بارسونز أن ردّ فعل الجماعات الدينية كان هائلاً بين شـرائح المجتمع التي شكلت فيها العناصـر التقليدية نقاطاً مرجعية للإرشاد والتوجيه.

وبرغم أن تعاليم الإمامين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني كانت مختلفة عن أسلوب البنا المنظم والأكثر ميلاً إلى السياسة، فإن الإخوان المسلمين كانوا يرون في حركتهم استمراراً للجماعات والتيارات الإسلامية السابقة، مثل التيار الوهابي. وقد تأثرت رؤيتهم للإسلام بالطبيعة الشمولية للجماعة، ورفض الإخوان المسلمون السياسات المدنية، واعتبروا الفصل بين الدين والدولة مخالفاً للإسلام الذي يدعو إلى "الدين والدولة". وقال مفكر الجماعة محمد الغزالي:

لن نبيع ديننا بمُلك المشـرق والمغرب. وديننا هذا الذي نفتديه بكل ما نحب له سياسة تشـريعية معينة، وسياسة اقتصادية معينة، وسياسة عالمية معينة. وله في البيت والأسـرة والشارع سياسة اجتماعية معينة. ومن السفالة أن يطالبنا مخلوق بتعطيل هذه التعليمات جميعاً باسم القومية أو الشيوعية أو الديمقراطية أو أي اسم آخر لا نعرفه، لأن معنى ذلك أنه يطالبنا بالارتداد والكفر. و"الإسلامية" التي نؤمن بها ونعمل لها ترفع شأن الوطن، وتضمن لكل فرد يعيش تحت سمائه حياة زاخرة بالبرّ والعدالة والمساواة، وإن اختلفت الملل وتباينت النحـل.

ويؤمن الإخوان المسلمون بأن الإسلام نظام اجتماعي واقتصادي وسياسـي شامل وقادر على التكيف مع المجتمعات المعاصـرة، ولكن حسن البنا لم يتطلع إلى الغرب لكي يحقق أهدافه، بل استخدم الإسلام نفسه في تحديد هذه الأهداف:

إن الإخوان [المسلمين] دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشـركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.