-
15 - 8 - 2016, 11:35 PM
#1
بضاعة إعلامية
-
بضاعة إعلامية
*جريدة الخليج
مريم البلوشي:
من منا وكما يقول «جيل الطيبين» لا يذكر مسابقات «حروف» والتي كنا نتابعها بتحرق وغالباً في شهر رمضان الكريم، في جولات وصولات. كم من المعلومات، التحديات، الأسئلة الثقافية، المعرفة حتى لتظن أن المتسابق يحمل في جعبته أمهات الكتب وأخواتها وإخوانها.
لا يمكن أن تخرج من حلقة دونما استفادة ومعلومات لها عمق، وتصفق بصدق للمتسابق لأنه بحق «مثقف». مثقف، لم يتقدم للمسابقة عبثاً، بل التهم الكتب وتعلم العلوم والمعرفة حتى إذا ما خرج منتصراً، حاصداً جائزة كبرى تفرح له.
لا زلنا نذكر كل تلك المربعات التي تختفي حروفها واللوحة التي هي أمام المتسابقين حين تتلون كلها معلنة انتهاء الجولة وفوز أحدهم.
اليوم، كثر كرم حاتم الطائي وكثرت المسابقات وقيمها، لم تبخل المؤسسات كل يوم بالآلاف، شيء جميل ومحمود، أن يكون هناك اندماج بين القطاعات ودعم للثقافة ونشرها، لكن ما يزعجنا اليوم «سذاجة» ما يطرح، حين يطرح المذيع والمذيعة الأسئلة ومعها «علاوة» استثنائية، تسمى «الإجابة»، حتى بتنا نسمع من يتصل ويقول «أول مرة أتصل، ساعدوني» ويرد عليه المذيع بكل «حنية»: «فالج طيب»، ومن خلف الميكروفون يقول الجواب بالنيابة عنه ويصفق مباركاً ومهللاً.
لم يعد أحد يتعب في شيء، لم يعد المرء يستمتع بمثل هذه المسابقات، أكثر ما يجعلنا نشاهدها أو نستمع إليها، هو رغبتنا في التخفيف على أنفسنا من ازدحام الطريق، ورغبة حقيقية في الضحك و«تفريج الصدر».
ليس هذا تهجماً، أو إعلاناً لإنهاء مثل هذه المسابقات أو البرامج، لكننا وبطريقة غير مباشرة جعلنا المجتمع يصبح مجتمعاً غير مثقف، يدرك أنه يستطيع في أي إذاعة، مركز تسوق، برنامج، معرض أن يحصد الكثير دونما تعب، فلماذا أتعب وأتعلم وأشتري كتباً أو أتصفح إلكترونياً حينما أصبحت الثقافة سلعة غالية القيمة يسهل الحصول عليها من أفواه الآخرين؟ قليلة هي اليوم البرامج التي تتلاعب بأوتار أعصابنا لتشدنا حتى نتابعها ونتعلم منها، قلة هم المذيعون الذين تحس من صوتهم في الحقيقة ثقافة يمكن أن ينقلوها للآخرين. أصبح التنافس الذي يربكنا ويجلسنا أمام التلفاز مثلاً، هو الاطلاع على آخر صيحات دور الأزياء، العبايات، تسريحات الشعر، المكياج، الأحذية. ننظر ونتفحص المذيعة من رأسها لقدميها فقط لأنها تسهل علينا معرفة أفضل الأماكن لنشتري ملابس العيد لكننا لا نأبه لما يوجد داخل رأسها، لأنها هي لا تستطيع أن تقنعنا أن بداخله شيئاً ما «إلا من رحم ربي». ولا ننتقص هنا حق من تعب على نفسه حتى أصبح علامة فارقة في عالم الإعلام بحسن خلقه وثقافته.
المرء يُقرأ من لفظه ومن جودة حرفه فكل يحضر بضاعته، ونحن لسنا سوى زبائن في هذا الزمن، قد نقبل الرخيص لأنه يبرق في أعيننا ونترفع عن الغالي لأنه يكلفنا.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى