-


نحو شرطة لغويّة



*جريدة الخليج



عبد اللطيف الزبيدي:


الحقيقة التأسيسيّة: ثبت بألف دليل أن المناهج ومجامع اللغة العربيّة لم تفلح في حماية العربيّة من التراجع، «وليس يصحّ في الأفهام شيء.. إذا احتاج النهار إلى دليلِ». يجب التفكير في حلول أخرى موازية، حتى ولو لم تكن جذريّة. اللغة، كالمجتمع، تحتاج في الفوضى إلى قوّة تحفظ النظام.


لسوء الحظ، كلّما حلّت بالديار العربيّة نعمة، أتت محفوفة بالمكاره. هي ذي حرّيّة التعبير تتهدّد كيان «الضاد». لا يمكن لعاقل تصوّر أن آفاق التواصل الاجتماعيّ هي المسؤولة. هذه هبة علميّة تقانيّة لا تقدّر بثمن، لكن انفلات الضوابط، وهزال المناهج، وتقاعس المجامع وسوء إدارتها، جعلت لغتنا مخدوشة منهوشة، عرضة لكل من هبّ ودبّ. بعض الأسباب: النظام العربيّ لم يفكر قط في نهضة شاملة، اقتصاديّة وعلميّة تصبح بها العربيّة منتجة للعلوم والتقانة والمعارف. ذلك حلم بعيد المنال في عصر التشتّت. والمجامع اللغويّة تعمل وكأنها مراكز بحوث ودراسات في جنس الملائكة، لا علاقة لها بالحياة العامّة. والمناهج تدور في حلقة مفرغة لا صلة لها بالتنمية. تقزّمت الغاية فصارت حَقن الدماغ بشيء من مصل النحو والصرف، ولم يؤدّ ذلك إلى اكتساب الأغلبيّة لغة سليمة.


الآن، اللغة تختنق، فهل من تنفّس اصطناعيّ؟ في البلاد العربيّة حشود من المدققين اللغويين وأساتذة العربيّة، يستطيع كلّ واحد التبرّع بأقلّ من خمس دقائق في اليوم، فيها تسلية مفيدة والأجر على عشق عيون العربيّة. لن يكلّفهم الأمر عناء شاقّاً ولا هم يُرهَقون. المهمّة يسيرة: تماماً مثلما يفعل الشرطيّ عندما يرتكب سائق مخالفة مروريّة، يدخل اتجاهاً ممنوعاً، يتجاوز غيره بغير حق، يتهوّر ولا ينضبط ... إلخ، وكذلك حين يقف راجلٌ في مكان عامّ وينهال على غيره بكلام غير مهذّب شكلاً ومضموناً: «جراحات السنان لها التئامٌ.. ولا يَلتامُ ما جرح اللسانُ». هنا، على طرقات العربيّة وفي ساحاتها العامّة، يفعل حُماة اللغة الشيء نفسه: مخالفة نحويّة، غرامة صرفيّة، جنحة أدبيّة، جناية فتنويّة، في كلماتك آلة الجريمة، من أين لك هذا؟ سرقة موصوفة، في أبيات مخطوفة ... إلخ. كل شيء موثّق مستند: التقطك الرادار اللغويّ. يغدو «اللي على راس تغريدته بطحة لغويّة يحاسس عليها». من السهل وضع علامة «قف» إلى جانب الإنذار اللغويّ، ويكون للنقاط السوداء عدد محدّد يلازم تغريدات المذنب في حق العربيّة والشقيقات والأشقاء والإنسانيّة. والله أكبر فوق كيد المعتدي على العربيّة الحسناء.


لزوم ما يلزم: النتيجة الترفيعيّة: يكافأ الشرطيّ اللغويّ بترقية على كل مئة مخالفة، من عريف إلى قمّة الرتب. وتعرف رتبته، نجمة، اثنتان... إلخ. «الله أكبر فوق كيد المعتدي» على العربيّة الحسناء.