-
5 - 11 - 2016, 11:35 PM
#1
مزاج الكتابة
-
مزاج الكتابة
*جريدة الخليج
محمد ولد محمد سالم:
«أنا أكتب بمزاج، وعندما لا تكون لدي رغبة فلا أستطيع أن أكتب»، هذه الجملة تتردد لدى الكثيرين ممن يمارسون الكتابة، وخاصة الشباب الذين لا يزالون يتمتعون بمشاعر مبالغ فيها، ويعيشون فترة الرومانسية الحالمة، فيكونون في لحظة معينة تحت تأثير الشعور بالرغبة في الكتابة، نتيجة لمشاعر فرح أو حزن طاغية تدفعهم للجوء إلى الورق لتفريغ تلك الشحنة، وحين لا تكون لديهم تلك المشاعر، تسرقهم دوامة الحياة اليومية من الكتابة، أو يمرون بفترة كآبة وإحباط، يبتعدون فيها تماماً عن الورق، وتكون الكتابة أو ممارسة أي عمل أو التركيز في أي شيء مصدرَ ألم لهم، يزيد من منسوب الكآبة في نفوسهم، وقد تبقى معهم تلك الحالة فترة طويلة تفسد علاقتهم بالكتابة، وتقلل من إنتاجهم، ومستوى تطور ذلك الإنتاج.
تلك الوضعية ليست هي الوصفة المثلى للكتابة، ولا هي الطريقة التي ينبغي أن يسلكها كل من يريد أن يصبح كاتبا محترفاً، فالكتابة حِرفة، وصنعة لا بد لها من أدواتها، التي تكتسب بالمواظبة والدربة الدائمة، وهذا يعني أنها لا ترتبط بالمزاج، أو بالحالة الشعورية الطارئة للإنسان، فالكاتب المحترف يكتب على كل حال، ولو تركت المسألة للمزاج، فإن هناك مزالق لا يمكن تجنبها، أولها أن ما يكتب بدافع المزاج هو في أغلب الأحيان ليس أكثر من شعور خاص وطارئ، قد لا يرقى إلى المشاعر الإنسانية العميقة والأصيلة، ولا يوصل إلى ما هو مشترك وإنساني، والأدب لا بد له من تلك الأصالة الإنسانية السامية، وثانيها أن من يكتب على هذه الطريقة لن يكتسب أبداً أدوات الكتابة الاحترافية التي هي شرط الإبداع.
صحيح أن أحسن حالة يكتب فيها الإنسان هي تلك التي يكون فيها بمزاج جيد، وتسيطر عليه رغبة عارمة في الكتابة، وتتدفق تحت قلمه الكلمات والجمل وتتداعى الصور، ويحلق الخيال، فهناك مَظنّة الإبداع، ومعروف أن الشعراء بشكل خاص تأتيهم هذه الحالة فتسيطر عليهم، وتظل الكلمات والإيقاعات تتردد في جوانحهم حتى يسكبوها شعراً، لكنْ، أليس يمكن ترويض هذه الحالة، حتى تصير الكتابة نفسها مزاجاً، يتلبس الكاتب أو الشاعر بمجرد أن يجلس إلى الورقة، سواء وجدت لديه تلك الرغبة المسيطرة أم لم توجد؟
من المفروغ منه أن الموهبة شرط في كل إبداع إنساني، ولا يمكن أن يصل الكاتب إلى الإبداع من دون موهبة، لكنّ «احتراف» الكتابة هو في جعل هذه الموهبة قادرة على أن تسعف صاحبها في كل لحظة، حتى لا تبقى مزاجاً يأتي متى ما تهيأت له الظروف النفسية، ويذهب متى انعدمت ظروف إتيانه، والشرط الأول لتلك الاحترافية هي الكتابة باستمرار، وفي كل الظروف، فبالاستمرارية يتدرب العقل الباطن على استحضار الكلمات والجمل، ويتدرب الخيال على الإبحار في أي وقت نطلب منه الإبحار، وتكون الأدوات جميعها مصقولة، وجاهزة للاستعمال متى أريد منها ذلك.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى