.





دردشة في أشجان اللغة


*جريدة الخليج


عبد اللطيف الزبيدي:

تبسيط قواعد اللغة والإملاء يحتاج إلى إحساس بالمسؤولية إزاء حياة العربية. قد يكون الرد ساخراً: ومن يا ترى يكترث لحياة العرب حتى يفكر القوم في حياة لغتهم؟ هذا لا يمنع من إكمال العمود.

قبل عقود بسّط الأمريكان إملاء إنجليزيتهم، وكانوا أعقل من الإنجليز، فالمفردات مثل: «لايت»، «نايت»، وسائر الألفاظ التي تنتهي بجيم هاء تاء، مأخوذة من اللغات الجرمانية، الألمانية على رأسها. المعاجم الأمريكية مفعمة بالتبسيط. وفي فرنسا حالياً حركة لغوية إملائية ظريفة لتبسيط المعقد تيسيراً وتسهيلاً، ومجمع الخالدين، مجمع اللغة الفرنسي، دماغه مرن يتفهم ضرورات العصر. مثل هذه الدعوة اللغوية الحضارية، يعود الفضل فيه إلى آدام سميث (القرن الثامن عشر) الاقتصادي البريطاني، الذي نادى بأن تكون للغة صفات البضاعة الجيدة للتسويق والترويج: عملية، سهلة الاستعمال، مفيدة. الحقيقة هي أن النشء العربي الجديد يسيطر على الإنجليزية في مدة معقولة، بينما يحتاج العربي إلى عشرين سنة لكي يكتب صفحة أخطاؤها اللغوية أقل من عدد كلماتها. مصيبة. أوَ لم يقض عبقري العربية، ابن جني، أربعين سنة في تعلم الصرف على يد أبي علي الفارسي؟ مهزلة.


نحتاج إلى علماء لغة شجعان ملمين بأدوائها، يُجرون لها عمليات جراحية متعددة عاجلة لتستطيع التحرك والتنفس. اللغة كما يقول القدامى «حوامل»، وسائط نقل لا غير. المهم هو ما تحمله وتنقله من المعاني والأفكار والقيم. خذ مثلاً الأرقام، ستجدها معضلة مضحكة. ما أكثر الذين يخطئون في كتابتها ونطقها وربطها في حالات التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع. الطريف هو أن في لغتنا عدداً كبيراً من المفردات يؤنث ويذكر ويُغير جنسه، كأنه تربى في الوسط الفني الجديد. ثلاثة سُبُل وثلاث سبل. كذلك الطريق والسوق، وفي هذا البحث كتب كثيرة لابن الأنباري والفراء والتستري والمبرد وغيرهم. الدعوة إلى تثبيت الأعداد ليست ابنة اليوم. الكوميديا هي الحرص على التناقض: عشر نساء وعشرة رجال. الأسوأ إهمال الترتيب المنطقي في الانتقال من المئات إلى الآحاد إلى العشرات: مئة وواحد وثمانون، خلافاً للترتيب السليم، فإما ثلاثة وأربعون ومئتان، وإما خمسمئة وستون وسبعة. نحن آثرنا المخالفة والمعارضة.


دعنا من حماقة التناقض المعيب، فالعالم العربي يرى الكارثة في تطوير كلمة أو تركيب لغوي، ولا يرى الهوان في تطيير مدن وبلدان قائمة منذ آلاف السنين، حين كان الغرب كله بدائيين في الكهوف.


لزوم ما يلزم:
النتيجة اللغوية: عدم إصرار العرب على أن يكونوا أرقاماً قياسية في الحضارة، جعلهم مجرد أرقام في إحصاءات الضحايا.