.








إحساس يُشبه النعيم



*جريدة الخليج


حسن مدن:


للكاتب أنطون تشيخوف قصة طريفة اسمها: السعيد، عن شاب تزوج حديثاً من فتاة جميلة، وانطلق معها بالقطار من المدينة النائية التي يعيشان فيها قاصداً مدينة بطرسبورغ، لقضاء شهر العسل.


الشاب السعيد ولفرط سعادته نزل في إحدى المحطات التي توقف فيها القطار ليحتسي مشروباً، وتأخر إلى أن انطلقت صفارة إقلاع القطار، فأسرع راكضاً إلى أقرب عربة.


في العربة التقى، مصادفة، ببعض أصدقائه القدامى الذين ألحوا عليه بالجلوس معهم، ومنه عرفوا حكاية زواجه من الفتاة التي يُفترض أنها في عربةٍ أخرى من القطار نفسه.


راح الشاب يُسهب في الحديث عن فرحته بزوجته الشابة قائلاً: الآن لا هموم، لا أفكار، بل فقط إحساس يُشبه النعيم مع هذه العروس ذات الأنف الصغير والأنامل الجميلة. إنها ملاك الروح وسلوى الفؤاد.


المفاجأة كانت حين سألوه عن وجهتهما، هو وعروسه، فرد على الفور: إلى بطرسبورغ طبعاً، فأدهشهم ما قال لأن القطار كان متجهاً إلى موسكو. حينها أدرك الشاب انه ركب بالخطأ قطاراً آخر، وترك زوجته وحيدة في القطار المتجه إلى بطرسبورغ.


ليس المهم في هذه القصة المفارقة عن السعادة التي تُدوخ الرأس، وتجعل المرء يذهب شمالاً فيما وجهته الجنوب، وإنما ذلك الوصف الجميل للسعادة التي تستحوذ على الإنسان، فتجعل كل شيء في عينيه حُلواً، كأن السعادة، بهذا المعنى، حالة إنسانية خاصة ذات صلة برهافة حس الإنسان ومدى نضج شخصيته.


قرأت مرة أن الناس الذين يشعرون بالسعادة هم أنفسهم الذين يخبرون التعاسة، ربما بنفس الشدة، في لحظات أخرى، وأن السعادة ليست نقيض التعاسة، بل إن العلاقة بينهما عكسية بين تكرار ظهور المشاعر السلبية والايجابية.


ألم يحدث لأحدنا أن عاش لحظات من الضيق، أثرت في نظرته للأمور، والسبب، كما يُقال، أن الانفعالات تُيسر استدعاء الذكريات التي تتسق مع تلك الانفعالات، ويغيب في تلك اللحظة الوجه الآخر للأشياء، أي الوجه المُفرح.


الأفضل ألا نفعل مثل بطل تشيخوف، فنركب القطار الخطأ من فرط السعادة، ولكن من الضروري الاتفاق معه في القول إن الإنسان يخلق سعادته، التي يمكن أن تظهر في تفاصيل صغيرة، حميمة. في لقاء ممتد مملوء بحكايات، وربما في الصمت الذي يبوح. في روح التسامح إذ تحتوي الغيظ، وتُقيم في المنطقة المشتعلة من القلب.