يكتب لئلا يموت
لــفوزيـة السنـدي
دار الخليج
1
أيتها النار المطلة في صهوة الأخيلة
يا ماكنة الوهج والتبدل
ميدي في حدود لا تتسع لسواك
ومجاهل لا تنجلي إلا لأوارك
أيتها النار الوارفة، يا تفاحة الكلام
أيتها المزدانة بأفعى الغموض
أي مجد ينحني لرمادك .
2
يدلهم الحديث على صفحات الصحف والمجلات والمواقع عن موت الشعر، منذ وقت قديم بالفعل تسامت الرؤى الصقيلة بالوعي عن مبادلة هذا الحوار كلماته، ولكن السؤال استطال وصار يدهم الشعراء والشاعرات في كل حوار لايخلو من صيغة التوجس بنهاية الشعر بفعل الموت تحديداً .
الشعر لا يموت ، سواء مات من يكتب أو لايزال يكتب .
ببداهة بسيطة تحتمل كونه طاقة لا تخلق ولا تفنى من عدم .
الشعر مشاعر انسانية ناتجة من تفاعل هذا الكائن مع الكون، مواجهته لتحديات ومحن الغرض منها صقل وعيه ومنحه الفرص اللازمة لتنقية روحه من كل الطاقات السلبية، سواء الأفكار أو المشاعر أو السلوكيات، وتطوير رؤاه نحو الجمال والقيم الانسانية الجديرة بنعم هذه الحياة التي لا تحصى، هذه المشاعر تتخلق على الورق عبر حروف متشابكة مع بعضها بعضا تسمى كلمات، كل حرف منها يتكون من نقاط عدة، كل نقطة تشتمل على ذبذبات، الذبذبات صادرة من الذرات التي تكون مادة الحياة في كل شيء، بروتونات موجبة تدور حولها إلكترونات سالبة، عملية الدوران تخلق هذه الذبذبات والترددات، هذه الذبذبات ممزوجة بطاقة المعنى والرؤيا، لأن الأفكار عبارة عن طاقة ايضاً، الحرف طاقة وكذلك الكلمة وكذلك القصيدة . فهي كائن حي لا يموت، مستقلة عن الكاتب، تحيا بمعزل عنه، ومحملة بطاقة تعبيرية عظيمة تجعلنا نشعر بقشعريرة ومشاعر فياضة تصل حد تحدر الدمع ونحن نقرأ النص الشعري، رغم مرور قرون عدة أو ثوان على كتابته .
ها هو سر اللغة العظيم، جلاء قدرتها على حمل الطاقة الروحية والجسدية، الاحتفاء بها بين حروفها، ترسيخها في الوقت، وتعبير الشعر هنا يعنى بالشعر وحده، لا الكتابة الانطباعية السطحية أو النظم الخالي من الروح، بل الشعر الشفيف النابض في القلب، المتناغم مع محن الحياة وقدرتها على صقل التحديات نحوه، تحويل الألم الى أمل فريد، كما الفحم الذي يتبلور نحو الماس بجرأة المنجم .
3
هكذا كتب الشاعر قاسم حداد ذات سؤال:
“كيف يستقيم أن نقول بموت الشعر في الحياة فما أن نقول (حياة) حتى يكون تعبير موت الشعر تناقضاً موضوعياً فاضحاً، الشعر لا يموت في وجود كائن إنساني حي في هذا الوجود، وأخشى أننا سنكون مجدداً ضحية الإطلاقات التي يتبرع بها محررو الصحافة الثقافية العربية من دون الشعور بخطورة الأمر .
إنني أرى الشعر في كل شيء، فبالرغم من كل المبتكرات العلمية والتكنلوجية التي يذهب إليها المجتمع الإنساني، يظل الشعر موجوداً مثل هواء الحياة، المشكل الجوهري الذي تصدر عنه مثل هذه التصورات، يكمن في عدم استيعاب التحولات التي تحدث على صعيد المخيلة التعبيرية في الحقل الأدبي، فعندما تتبلور وتتغير أشكال التفكير البشري، سوف يستجيب لها النشاط المخيلي الإنساني أيضاً وسوف يترتب على ذلك العديد من الابتكار الفني الذي يخترق التخوم المألوفة لأشكال التعبير الأبداعي، فليس في هذه التحولات ما يحول دون تبلور المفاهيم الفنية للقول الأدبي” .
4
وهذا ما قاله الشاعر أدونيس: “إن أعمق مايعبر عن شخصية الإنسان وهويته هو الشعر؛ فهو كالحب بوصفه علاقة كيانيّة بين شخص وآخر، وبالتالي إذا مات الشعر والحب فكأن الإنسان مات أيضاً، فعندما يوجد الحب يوجد الشعر الذي لا يموت، بل يتغير كأساليب وطرق، مع العلم بأن عصر العلم والتقنية الذي يشكو الكثيرون منه حالياً هو عامل آخر لجعل الشعر ضرورة أكثر من أي وقت” .