.











حائك السجاد



*جريدة الخليج



د. حسن مدن:


لن يكون الحديث عن «حائك السّجاد». الغاية من العنوان أخرى تماماً. عن حائكٍ آخر غير حائك السّجاد، إنه الكاتب. والعنوان استوحيته من قولٍ للكاتب المصري عبدالرحيم كمال، قاله وهو يردّ على سؤال وجه إليه.


يقول السؤال: «أي «الصنايع» هي أقرب إلى صنعة الكاتب؟ أقرب إلى المهندس، أم إلى الجرّاح، أم إلى طبيب الأطفال»؟ جواب عبدالرحيم كمال على السؤال كان سريعاً جداً وعفوياً جداً، حين قال بالعامية بالمصرية: «الكاتب بتاع سجاجيد. سجاجيد إيراني، عايز صبر وفتلة على فتلة ولون على لون. شغلانة صعبة جداً؛ مش سهلة».


السؤال والجواب جاءا ضمن حوارات، لا حوار واحداً فقط، في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني: «وصفوا لي الصبر»، الذي يقدّمه الكاتب عمر طاهر، وهو من أجمل البرامج الثقافية التي شاهدت حلقات منها، حيث يتضمن لقطات صُوّرت في شوارع القاهرة العامرة، كشارع المعز بالحسين مثلاً، حيث تتعايش الأزمنة، وحيث دبيب الحياة والناس على الأرض في مدينة يجاور حاضرها ماضيها الآسر.


بدا لي أن المُعدّ اختار الصبر ثيمةً لعنوان برنامجه بمنتهى الذكاء والعناية. لا يصح الحديث عن الكتابة، الكتابة المسؤولة، الجادة، الرصينة، دون أن يحضر الصبر.


ليس هذا ما يشي به عنوان البرنامج فقط، إنما يقوله بصراحة اثنان من أبرز قامات مصر الأدبية في زمننا، استهلت حلقة البرنامج بأقوالهما هما خيري شلبي وجمال الغيطاني.


أسدى الأول نصيحتين مهمتين للأدباء أو لمن يأنسون في أنفسهم الاستعداد لأن يصبحوا أدباء: الأولى هي؛ ألا يستعجلوا النشر، والثانية، وهي وثيقة الصلة بالأولى: أن يكدحوا في الحياة قدر ما يستطيعون. أما الغيطاني فقال: «يحتاج الأدب من الأديب الإخلاص الذي يقترب من التصوف. يحتاج رهبنة».


رسالة خيري شلبي واضحة: الدعوة للصبر وعدم استعجال الشهرة التي يلازمها، عادةً، الاستسهال، والتي مآلها في الغالب الانطفاء السريع، ولا نظن أن رسالة الغيطاني بعيدة عن هذا، حتى ولو أوحت الدعوة إلى الرهبنة بحث الكاتب على العزلة، فليس المقصود هنا العزلة عن الحياة والناس، حيث على الكاتب أن يعيش حياته كما ينبغي أن تعاش، فلن يلتقط التفاصيل الدقيقة في سلوك البشر وفي المحيط الذي فيه يعيشون إن لم يفعل ذلك.


المشترك بين الكاتب والقارئ، حسب عبدالرحيم كمال، هو الذاكرة، لكن الكاتب، على خلاف القارئ، قادر على أن يحكي هذه الذاكرة، على أن يستعيدها، مستعيناً بما دعاه أستاذه د. يحيى عزمي بـ«عضلة الخيال» التي تحتاج لتدريب دائم كي لا تضمر.