.
أحوال الموناليزا
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
وضع ليوناردو دافنشي في كتابه «الأعمال الأدبية» شذرات فكرية عن الروح وعن العلوم، وعن الشمس والعقل والمعرفة، ووضع أكثر من خرافة في هذا الكتاب الفريد، إضافة إلى تأمله «الشذري» العميق في الفضيلة مثلاً، والفرح، والحزن، والغضب، والسلام، والقسوة، والخداع، ووضع شذرات أخرى عن الحيوانات والطيور.. عن البجع مثلاً يقول دافنشي.. هذا الطائر يحمل حباً كبيراً لصغاره، فإذا وجدهم في العش جثثاً هامدة من لدغ أفعى، طعن نفسه بمنقاره جهة القلب وراح، بدمائه الغزيرة، يمطرهم حتى يعودوا إلى الحياة، أما طائر السمندل الذي هو العنقاء في ثقافتنا الشعرية العربية، فيقول عنه دافنشي إنه ليس له جهاز هضم، وهو لا يستطيب من الطعام غير النار، أما طائر العقاب - بضم العين - فإنه عندما يتقدم في السن، يحلق عالياً جداً إلى أن يحترق جناحاه، أما النعام فيقول دافنشي: هذا الطائر قادر على أن يحول الحديد إلى غذاء، أما اللقلق فإنه بشربه المياه المالحة يطهر نفسه من الهوام، والجدجد يخرس الوقواق بغنائه. يموت بالزيت، وينتعش بالخل ويغني في ذروة الحر، وطائر الحجل يتحول من أنثى إلى ذكر وينسى جنسه السابق، والفيلة كما يقول دافنشي لحيائها البالغ، لا تتزاوج إلا في الليل. وخفية، ولا تعود بعد الجماع إلى قطيعها إذا هي لم تغتسل في النهر أولاً، أما الأسد فيقول عنه دافنشي إنه لا يخشى شيئاً بقدر ما يخشى حلبة العربات الفارغة وصياح الديوك. «ترجمة أمارجي».
قبل أيام أوصت إدارة متحف اللوفر في باريس زواره بحجز بطاقاتهم مسبقاً عبر الانترنت..«لتفادي طوابير الانتظار الطويلة في موسم الصيف».. والأرجح، بل، من المؤكد أن هذه الطوابير تتوجه أولاً إلى لوحة الموناليزا، المرأة التي أصبحت أسطورة أو أعجوبة على يد دافنشي الذي لم يأت أبداً على ذكرها في كتابه «الأعمال الأدبية»، هذا الكتاب التأملي، الحكمي، الفلسفي، الشعري، وفي آخره نعرف بالكلمة والصورة ليوناردو دافنشي المخترع، وعالم النبات، والأحياء، والطيران والأسلحة.. كل ذلك في رجل واحد كان، كما يبدو من حياته، يتجنب أن يصفه أحد بأنه شاعر، لكن، كيف لا يكون شاعراً من يدرس طيران الطيور بحسب تيارات الهواء، أو، كيف لا يكون شاعراً من يضع رسماً للرحم البشري والجنين.
حين تقرأ دافنشي جيداً، وتتبعه رساماً، وعالماً، ومخترعاً، ومتأملاً في طبيعة الإنسان والحيوان والنبات والأحياء جميعها.. يخطر لك أن هذا الرجل العبقري كانت الموناليزا بالنسبة له هي الأسهل، بل إن هذه اللوحة العالمية الكونية أخذت منه القليل من الجهد والوقت، على الرغم مما قيل إنه رسمها في سنوات.
المتحمسون للرسم وخاصة، من المثقفين، يقولون إذا لم تر الموناليزا في باريس كأنك لم تر باريس.. ومع ذلك أسقط بعض الفنانين الغيورين من عبقرية دافنشي شيئاً من هيبة هذه اللوحة.. هناك من أعاد رسمها بأشكال مختلفة غير تلك الابتسامة الساحرة الغامضة.. وفي كل أحوال الموناليزا ظل الجدجد، بالنسبة لدافنشي، يخرس الوقواق بغنائه.





رد مع اقتباس