النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

     

    ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

    د. شوكت علي درويش

    * الدستور الاردنيــة






    أولى خطوات ثقافة المقاومة ، مقاومة نوازع النّفس البشريّة ، وحبّّ تقاوم من أجله. واختيار خليل لاسم بطل قصته "سلمان التّايه" فيه دلالة - كأن له من اسمه نصيباً ، فسلمان: أُطُمُ بالطّائف "أو موضع بنجد"، والأُطُعم ج آطام: القصر والحصن المبني بالحجارة ، وكل بيت مربع مسطح ، وكل بناء مرتفع". وكلها تعنى القّوة ، والشُّموخ ، وطول البقاء. والتائه: المتكبًّر.

    وتتجلى ثقافة المقاومة في "الأرض" لخليل السَّواحريّ ، والّتي تدور أحداثها على ألسنة شخصوصها الثلاثة: صاحب الأرض ، وسلمان التّايه ، ومن يسعى لشراء الأرض - إلياهو - وسمسار الأراضي.. لم يسمًّه القاصّ تحقيراً له.

    والإنسان يشرف في الزَّمان ، وفي المكان: فمثلاً يشرف الإنسان في الزَّمان ، زمن شهر رمضان ، ويشرف في المكان: في حجّ أو عمرة: الكعبة المشرَّفة في مكَّة المكرَّمة ، أو المسجد النَّبويّ الشّريف في المدينة المنوَّرة ، أو المسجد الأقصى في القدس. مصداقاً لقول سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم :"لا تشدُّ الرًّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى". فنرى خليلاً يدبر أحداث قصته في القدس الشَّريف في أماكن معروفة لأبنائها ، وأبناء القرى المجاورة ، وغير قليل من الفلسطينيين: فمن البداية يسأل سلمان التّايه رفيقه: "وأين سنلتقي؟"

    رد عليه الرَّجل الذي جاء لمرافقته - والرفقة لا تعني الصُّحبه ، أو حتى المعرفة - بله المعرفة الجيدة ، وهذه مقصودة من القاصّ ، وهذا ما سنلحظه لاحقاً:

    " في المصرارة ، في موقف التَّكسيات أمام مطعم العكرماويّ ، السّاعة التَّاسعة صباحاً". وسلمان فلاح يمارس فلاحة أرضه مبكراً جداً "من صراصير الصبح" - كما يقولون - ولذلك وصل المصرارة مبكراً ، فوجد "بعض المطاعم والمقاهي لم تكن فتحت بعد ، وحتى مطعم الحمّص هذا الّذي اتفقا على أن يلتقيا أمامه ، لم يكن قد فتح أبوابه بعد".

    فكيف سيمضى الوقت؟ أخذ يتجول في أَنحاء "السَّاحة المعبَّدة" الّتي أصبحت ساحة لتجمع الباصات التي تنقل الرّكاب إلى أريحا ، وبيت لحم ، والخليل. وقف سلمان وعاد بذاكرته إلى ما قبل الاحتلال: كانت المصرارة زقاقاً ضيقاً "تحدّه الأسلاك الشّائكة والأسوار من الغرب... كانت أسوار ضخمة وأسلاك شائكة وبيوت مهجورة وخراب" ، وبعد الاحتلال أزالو معالمها "لقد حوَّلوها الآن إلى ساحات نظيفة وشوارع فسيحة تتوسطها وتحيط بها أشجار النّخيل الباسقة ، من أين جاءوا بهذه الأشجار التي يزيد عمر الواحدة منها عن أربعين عاماً؟".

    ماذا جرى؟ أهو ما يمكن أن يمحو من ذاكرة سلمان جزءاً من حياته؟ أإذا أراد أن يحدّث أبناءه أو أبناء أبنائه عن ذكرياته عن هذا المكان (المصرارة): ماذا يمكن أن يقول؟ هل يمكن أن يصدًّقوه؟ وقد غير الاحتلال معالم المكان وزاد في التعمية زراعة أشجار النَّخيل الباسقة الَّتي يزيد عمرها على الأربعين سنة ، تحيط السَّاحة وتتوسطها.

    من أين جاءوا بها؟ لعلهم نقلوها من بئر السَّبع - فلسطين 48 - أو ربما من الأغوار - فلسطين 67 - إشارة إلى توحيد فلسطين وهي مكملة بعضها بعضاً حتى ولو في التَّزيين والتَّجميل - أشجار طاعنة في السَّماء ، تبدو للغرباء وكأنها زرعت في عهد صلاح الدًّين الأيوبيّ ، أو في عهد السّلطان عبد الحميد أو في عهد الجنرال اللّنبي".

    من الغرباء؟ أهم المحتلون؟ أم الزّوار؟ أم الفلسطينيون الغرباء في أرضهم؟ والكلّ صار غريباً ، ولفتة ذكيّة تحسب للقاصّ ، "وكأنها زرعت في عهد صلاح الدين الأيوبي - محرر القدس الشّريف من الصّلبيين - أو في عهد السّلطان عبد االحميد - الذي حافظ على فلسطين ولم يسمح لليهود لا بسكناها ، ولا بشراء أيًّ شبر من أرضها - أو في عهد الجنرال اللَّنبي إشارة إلى الاحتلال البريطانيّ - وقد أصاب القدس جرّاء هذا الاحتلال تحول يزيد على أيّ تحول شهدته المدينة طوال تاريخها المليء "بالأحداث".

    فهل قام السكان الأصليّون - الفلسطينيون - بزراعة النَّخيل تطبيقاً لقول سيدنا محمَّد - صلّى الله عليه وسلَّم:"بَيْتّ لا تَمْرَ فًيه: جًيَاعّ أَهْلُهُ." والنُّخلة عربيّة في منبتها (مكانها أرض العرب) نقلولها من بئر السبع ، أو ربما من الأغوار: فأرض فلسطين خير جنوبها - بئر السبع - وشرقها - الغور - وعاصمتها - القدس الشَّريف - وهي الحاضرة يأتيها الجميع ، و"تطلع سلمان غرباً - معطياً المكان وتحولاته محوراً جديداً من التَّفكير ، وكأن التحويلات الّتي لحقت بالمكان عمّت عليه شرياناً من شرايين القدس - باتجاه صفوف النَّخيل الخمسة المتوازية على امتداد الشّارع الصّاعد إلى النوتردام بمحاذاة سور القدس ، وتساءل: هل يبدأ شارع يافا من هناك: من قبالة الباب الجديد - أهذا أسمه؟ أو ترك بلا اسم زيادة في التحويل والإلغاز؟ لأن أبواب القدس معروفة ومعالمها المكانية راسخة في الذاكرة ، ومعروفة لسلمان جيداً - أم أنه يبدأ من هنا من قبالة باب العامود؟ خطر في باله أن يسأل أحد السائقين ، ولكنه عدل عن ذلك خشية أن يثير سؤاله الضَّحك. وعاد يتمشى باتجاه الشرق" ، ورسم لنا معالم المكان بكلمات لو قرأها رسام حاذق لأعطانا أجمل لوحة فنيّة و"استدار إلى الغرب... واستدار نحو الشمال..." ، "وهجمت عليه الذكريات": ذكريات المكان المرتبط بالزمان "قبل ثلاثين عاماً" ، وغيّر الاحتلال معالم المكان ، ولكن ابن فلسطين ، ابن مدينة القدس لن تبارح معالمها ذاكرته: أيام كان"يربط حماره في زوايا الأسلاك الشائكة عند نهاية هذا الشارع ، ثم ينحدر درجات باب العامود جنوباً لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى".

    لم يكن سلمان على علم بأن رفيقه سمسار أراضْ ، وسارا في شارع يافا حيث مكتب رجل الأعمال إلياهو الّذي كان زاره في الخريف"وهو يقلم أشجار الزَّيتون في أرضه المطلة على مدينة القدس" - شراء أراض محيطة بالقدس توطئة لتهويد مدينة القدس - وكان إلياهو يتفقد أرضه المحيطة بأرض سلمان ، ولا أحد - إلى الآن - يعرف كيف آلت الأرض إلى إلياهو ، واكتفى ساعتئذْ بطرح السّلام ، واستهجانه من اهتمام سلمان بالزَّيتون ، "قال إلياهو: ما الذي ستدره عليك هذه الشجيرات القليلة من الزَّيتون؟"

    أرضه ستَّة دونمات ، ورثها أبّاً عن جدّ ، زرعها زيتوناً.

    وما أن دخلاً مكتب إلياهو حتى خيرهم بين الشّاي والقهوة ، فاختار السًّمسار الشَّاي ، وبادر إلياهو سلمان بالسؤال عن موسم الزَّيتون ، فأجابه سلمان: "إن الموسم كان رديئاً". وسلمان يعلم علم اليقين أن الزَّيتون"سنة غلال وسنة قُلاَل". وإلياهو يعرف أنَّ موسم الزَّيتون لهذا العام رديء ، وظنّ أنّ هذا من المغريات لسلمان على البيع.

    "وتدخل السمسار: سلمان لا يسمع النَّصيحة ، قلت له أكثر من مرة إنَّ الزَّيتون لا يطعم خبزاً ، وإنَّ أيَّة مهنة يمكن أن تدرَّ عليه من الدّخل في أيام أكثر مما يعطيه محصول الزَّيتون في سنة،،"

    "قال سلمان: ولكنَّ عجوزاً مثلي قضى عمره في الزًّراعة لا يستطيع أن يكون عاملاً" ، وسلمان مزارع نشط "كان فيما مضى يزرع قطعة أرض لهم تمر يقربها مياه جارية ، كان يزرعها طوال السَّنة بكل أنواع الخضروات ، "في موسم عطاء دائم" وأيَّام مضت عَ البال بتعنّ - "قبل أكثر من أربعين عاماً دّبّ النًّزاع بينه وبين صاحب الأرض المجاورة له." وكان نزاعاً دمويّاً على الأرض ، "لم ينته النزاع إلاّحين استلَّ سلمان شبريَّته وطعن بها جاره ، ظلَّ يطعنه حتى هوى قتيلاً ، كان نزاعاً دموياً على الأرض ، مات فيه هابيل وبقيت الأرض. ولكن سلمان تركها منذ ذلك الحين ، وحرّم على نفسه الدُّخول إليها ، أو المرور بقربها حتى لا تذكًّره بتلك الجريمة ، تنازل عنها لأخيه. "ولكن إلياهو قطع عليه حبل ما عنَّ على باله قائلاَ: "عندي لك حلّ أفضل من العمل ، ومن كلّ المهن الّتي لا أعتقد أنَّك قادر على اتقانها في مثل هذه السًّن".

    واسترجع سلمان ما كان يحدثه به رفيقه العربّي من أنّ "اليهوديّ يريد أن يراك لا أدري لماذا بالضَّبط ، إنه يؤكد بأنّ مقابلتك له ستكون مفيدة لك ، ربما يعرض عليك عملاً في مكتبه ، أو ... ، ربما... ، أو... ، أو...".

    "ولكن سلمان كان يتساءَل: ما سر هذه الشفقة التي دبت في قلب الياهو تجاهي... ، ولم تفصح عينا رفيقه عن شيء ، رغم أنّ بريقاً ما كان ينبئ بمعرفته كل شيء...".

    قال سلمان: "آمل أن أكون قادراً على القيام بالعمل الذي تريده".

    رد عليه إلياهو: "لا أريد عملاً ، ولكنًّي أريد أن أكمل إقامة ضاحية سكنية - الاستقرار والتوطين - أعددت لها المخططات ، وكل ما يلزم ، ولا يمكنني ذلك إلا إذا بعتني دونماتك الستة ، الّتي تتوسط السّتة عشر دونماً التي أمتلكها: ولا أريد منك جواباً الآن - إغراء وطمأنة - فكر جيداً ، ويمكنك أن تخبرني ردك مع هذا - وأشار إلى السًّمسار الجالس إلى جانب سلمان - ولا حظ إلياهو تغيّر وجه سلمان فيما يشبه الخوف ، أو الغضب ، فأسرع يكمل عرضه: اسمع يا سلمان ، سأدفع لكَ أيّ مبلغ تطلبه ، وبالعملة التي تريدها ، وفي أيّ مكان تريد ، هنا ، في قبرص ، في القاهرة ، في لندن فقط أريدك أن توافق... فكّر ، قدّر الثمن الذي تريد. إنني أعرض عليك شيكاً مفتوحاً".

    "نهض إلياهو ليفوت على سلمان التفوه بأي كلمة ، ونهض السًّمسار وقال لسلمان: "يمكننا أن نواصل حديثنا في الطَّريق".

    واجتاح غضب عارم سلمان ، وارتعش واهتزَّ وخاطب نفسه: "هذا السّمسار الحقير ، كيف وصلت به الوقاحة هذا الحدّ؟ كيف سمحتُ لهذا الحقير أن يقودني إلى هنا لأسمع عرض إلياهو؟ كيف لم أفهم أنّ إلياهو لا يمكن أن يريد لي خيراً؟ ولكنها بعيدة عن أحلامه بعد السّماء عن الأرض". صراع المجروح في كبريائه ، صراع مقاومة الإغراءات.

    وخاطب سلمان السًّمسار المرتعب الّذي يحس أنّ النَّار تشتعل في عيني سلمان وصدره من دون أن يتلفظ ببنت شفة ، خاطبه سلمان:"كيف واتتك الجرأة على أن تفعل هذا؟... هل نسيت أيّها السّاقط ، أنني قتلت عربيًّا ذات يوم من أجل متر واحد من الأرض تنازعنا عليه؟ وما زالت الشبريّة التي قتلته بها - ومدَّيده وتحسسها كأنه يريد استلالها ـ تنتظر إلياهو إن جاء يعرض عليّ مرة أخرى ما عرضه ، ونظر سلمان إلى السّمسار ، فلم يجده". أين ذهب هذا الخسيس؟ إلى جنهم وبئس المصير.

    واصل سلمان طريقه باتجاه باب العامود ، كانت أسوار القدس إلى يمينه تبدو شامخة تحف بها الخضرة الكثيفة - الصمود والعطاء... كانت السيارات تزدحم عند الإشارة الضّوئيّة الّتي تفضي إلى الشّارع الفسيح المزدوج الممتد شمالاً باتجاه رام الله ، هذا الشَّارع الذي شقوه على أنقاض البيوت العربية المهجورة الّتي كانت هنا في المنطقة الحرام" الاستيلاء على الأرض والاغتصاب.

    "تساءل سلمان: لماذا أطلقوا عليه شارع رقم واحد؟ نرى أين سيكون شارع رقم اثنين؟ ـ طمس المعالم - ثم همس لنفسه وكأنه يخاطب إلياهو:

    - لن تفرح يا إلياهو أبداً ، ولن يقوم مشروعك السكنّي إلاّ على جثتي،،".

    قمة الم طابت سلالك

    أيتهــا الــمقـدسيـة

    عبدالله رضوان


  2. #2
    عضو ذهبى الصورة الرمزية أسير الدموع
    تاريخ التسجيل
    1 - 12 - 2009
    الدولة
    الإمارات ـ راك
    المشاركات
    7,140
    معدل تقييم المستوى
    76

    رد: ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

    شكرا لج خيوتي ع الطرح
    [flash=http://www.shy22.com/upfiles/EBT85197.swf]WIDTH=600 HEIGHT=400[/flash]

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

    شاكرة تألق طيفكــ الادبي بين السطور،،
    دمت برقي،،

  4. #4
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

    تسلمين ع النقل

  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ثقافة المقاومة في «الأرض» لخليل السّواحريّ

    شاكرة تواجدكــ الادبي الرفيع،،
    دمت بسلامـ،،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •