.










شحوم زائدة





*جريدة الخليج






د. حسن مدن:


أكثر ما ينفر في بعض الكتابات هو الاستطراد والإطناب اللذان لا يضيفان جديداً على الفكرة التي قيلت أو ستقال في الكتابة. في الغالب الأعم فإن الاستطراد هو صورة من صور التكرار والإعادة المملة لشيء قيل، أو لمقدمة كتبت لما سيقال بعدها. ارتباك الكاتب يفضحه استطراده غير المبرر. لو كان متمكناً من فكرته لما احتاج لكل هذا الدوران.


ما أجمل الفكرة حين تأتي موجزة، مكثّفة، دالة، بلا شحم سائح من ثناياها، ولا زوائد لا تغني ولا تسمن.


أكثر من ذلك فإن سيرة أي كاتب مع الكتابة هي رحلة تدرّبه على الإيجاز، وربما التلميح الذكي بدل القول الفج، الصارخ، والمنفر في بعض حالاته، لما قد يأتي عليه من تقريرية ومباشرة.


لا نجادل في أن هناك من الأفكار ما يحتاج لشيء من الإسهاب لإبراز جوانبها المختلفة، حيث لن يسلط الضوء الكافي على هذه الجوانب إن لم نفعل ذلك، ولكن هذا أمر مختلف تماماً عن التكرار والإعادة الرتيبة المملة.


يصحّ هذا على المقالات التي تنشر في الصحف وعلى الكتب. في أحد مواضع «الكتابة بحبرٍ أسود»، أشرتُ إلى الأوصاف التي أطلقها مؤلف كتاب «متعة القراءة» دانيال بنك وهو يتحدث عن تجربة فتى طلب منه أستاذه أن يقرأ كتاباً، فوجده الفتى: «ثخين جداً، سميك، كثيف، غليظ، ثقيل، يحترق بصعوبة؛ حتى النار لا يمكنها أن تتخلل صفحاته».


هل بقي هجاء لم يذكره الكاتب على لسان الفتى وهو يصف الكتاب الذي فرضه المعلم على تلاميذه؟ لا أعتقد! لم تظل في المعجم كلمة هجاء أخرى لم يقلها، وإن كان من إضافة هنا، فإن ما ذكره دانيال بنك ينطبق على الكثير من الكتب الفائضة بالتكرار، الخالية من الأكسجين، حتى لتكاد تشعر وأنت تقرؤها بالاختناق.


كتب أنطون تشيخوف رسالة لأخيه ألكسندر، الذي كان هو الآخر كاتباً، بعد أن اطلع على مسودة قصة بعثها ألكسندر إليه ليستنير برأيه، بدأها كالتالي: «حاول أولاً أن تجد عنواناً آخر لقصتك». لكنه لم يكتف بذلك، فأضاف القول المهم التالي: «اختصرها يا أخي وأرجو ألا تغضب حين أقول لك إني لا أعدّ القصة التي لا حذف فيها ولا تبديل قصة جيدة».


كم بودنا أن نهتف في وجه بعض من يكتبون بما قاله تشيخوف لشقيقه: «اختصرها يا أخي»، لا بل أن نضيف: اختصرها إلى النصف يا أخي لو سمحت، لأن نصفها فائض عن الحاجة، مجرد شحوم زائدة.