.








جديلة ذهبية



*جريدة الخليج



يوسف أبو لوز:


إذا كنت صديقي القارئ قد قرأت رواية «ماركيز» التي عنوانها «عن الحب وشياطين أخرى»، فإنك ستمضي وقتاً من يومك في تأمل تلك الضفيرة التي عُثر عليها في قبر مهجور يخص أحد الأديرة المهجورة في الساحل الكاريبي، وهو الساحل المركزي عند «ماركيز»، وكأنه ساحله الروائي، وأقول هنا، إنه من الضروري أن يكون للمبدع الروائي أو الشاعر ساحل أو صحراء أو جبل، لكي يرتبط بجغرافية محددة، تحدد لغته وخياله ونصوصه، وبالتالي، تحدد تلك الهوية الإبداعية التي يسميها النقاد: الخصوصية.


خصوصية ماركيز تكمن في استحواذه على جغرافيته وتاريخه، ذلك الاستحواذ الذي يشبه تشبث المريض بالحياة، وبالفعل، فإن المبدع مريض، مريض جغرافية ومريض تاريخ، والمبدع عاشق كبير ومتأمل كبير وقارئ ذكي لتفصيلات المكان الذي هو فيه.


ويقيم ماركيز في تفصيلات حياته إقامة جبرية، وعنده قدرة مدهشة على الملاحظة والتأمل والتأويل والفلسفة، لكنها تلك الفلسفة المخفية تحت بساط النص الروائي، بمعنى أنها ليست فلسفة مباشرة.


ليس ماركيز روائي مدرسة مقننة ومحبوسة في شكل فني محدد، كما يقول النقاد، وهو شكل «الواقعية السحرية» أو واقعية الخيال والفنتازيا المحمولة على اتساع منطقة ساحرة مثل أمريكا اللاتينية، حيث تلاقح الأجناس والأديان واللغات والعادات والتقاليد.. أقول إن ماركيز ليس كاتب مكان أولاً، لأنه استفاد إفادة كبيرة من خياله وتأمله وذكائه، ولقد جاءت هذه الاستفادة على أرضية مناخ جغرافي وتاريخي مؤهل مسبقاً للتأمل الذي هو الشعر.


ماركيز شاعر متخفٍّ في ثياب روائي، وربما إذا بحثنا في أسرار ماركيز لاكتشفنا أنه يريد كتابة قصيدة طويلة عن جديلة شعر طولها 100 متر، ولكن لأنه لا يحب أن يطرح نفسه شاعراً، نراه يتحدث فقط عن تلك الجديلة الذهبية الطويلة، وقد آثر أن يكون روائياً يسرد لنا في «الرواية الشعرية» قصة فتاة ميتة منذ عشرات السنوات، وكان شَعرها يطول بمعدل سنتيمتر واحد في كل شهر، وهي مدفونة في قبر.


وقبر ماركيز، بل، قبور ماركيز هي رواياته وكتبه، وكلما كتب هذا الروائي المدهش عملاً روائياً، فإنما كان يدفن نفسه بنفسه.. أما الشاعر المبدع فإنه يسعى إلى طريقة أخرى في الدفن.. يسعى إلى دفن نفسه على وجه الأرض ليكون زهرة أرضية أو كلاماً أرضياً.


بين الروائي والشاعر علاقة ندية، متوترة، موبوءة بالملاحظات والتأمل والقسوة، هي قسوة الكتابة.


ولقد قسى ماركيز كثيراً على الشعراء عندما تحدث عن ضفيرة شعر طولها 100 متر اكتشفها ذات يوم عندما كان يعمل في الصحافة.. والفرق هنا بين الكتابة الروائية والكتابة الشعرية أن مادة الكتابة وموضوعها إنما تحتاج إلى ذلك التأمل الذي يصل إلى حدود المرض.


أجل الكتابة مرض.. إذا كانت على مثل حاسة ماركيز.. الحاسة التي بوسعها تأمل صبية ماتت منذ عشرات السنوات، وظلت جديلتها حية حتى الآن.


هذا عن شعرية «ماركيز» وذكائه، ودقة ملاحظته الروائية. أما الجديلة النائمة في القبر، فلنا معها صباح آخر.