حين يغيب الحبيب
مقال حسن مدن
دار الخليج
ندرك على وجه التحديد المكانة التي يحتلها في حياتنا الذين نحبهم إلا في حال غيابهم . صحيح أن وجودهم بالقرب منا يعني الكثير، وهذا أمر نعرفه ونحسه ونحياه، ولكن لفرط استغراقنا فيه نعدهُ أمرا بديهيا، ولا نفطن إلى تفكيكه في مجموعة تفاصيل إلا عندما يصبح الحبيب بعيداً .
ساعتها ندرك كم من التفاصيل، في يومنا: في نهارنا وليلنا، يحتلها هذا الحبيب . ساعتها أيضا نعيد اكتشاف العلاقة مع الأشياء التي تربطنا به، فإذا بها تؤدي وظيفة أخرى، هي وظيفة تذكيرنا بهذا الحبيب الذي غاب ولم يعد بيننا .
كل رنة هاتف تحفز في دواخلنا المناطق الرهيفة في النفس التي تشدنا للحبيب الذي نتوقع أو نأمل أن يكون هو على الخط الآخر من الهاتف .
نبضات القلب تزداد سرعةً . القلب نفسه يصاب برعشة مختلفة حين نوقن أن الحبيب هو المتحدث .
حين يغيب الحبيب يصبح الهاتف محايداً، بارداً لا حياة فيه ولا روح، حتى دقاته حين ترن لا تحمل الجرس نفسه ولا المعنى نفسه . إن أيدينا لا تمتد إليه بنفس اللهفة وبنفس الحرقة وبنفس شحنة الفرح التي تنتابنا حين يكون الحبيب هو من يهاتف .
مثل آخر: الأوقات أو المواعيد، فمع الوقت تنشأ بيننا وبين الحبيب ما يشبه العادات أو الطقوس المرتبطة بمواعيد . نحن نعرف أو نُخمن ما الذي يفعله في هذه الساعة بالذات من الصباح، وفي تلك الساعة بالذات من المساء، نعرف متى يصحو ومتى ينام، وأين يكون، عادةً، في مثل هذا الوقت .
كأن حياة الحبيب تفصيل من يوميات حياتنا، كأن حياتنا تفصيل من يوميات حياته، كأننا حياة يومية واحدة . وبالطبع فهناك ما نتحدث عنه ونسأل، ما نتجاذب وإياه الحديث حوله من تفاصيل يومية عادية للغاية، عادية جداً، ولكنها تعنينا ويمتعنا سماعها .
حين يغيب الحبيب تغيب معه تفاصيله، نظام الأشياء كلها ينقلب، فلا نعود نعرف أين هو الآن، ماذا يفعل في الصباح، متى يخلد إلى النوم، ما الذي رأى؟ مع غياب الحب تصبح الحياة بلا تفاصيل، أشبه بالسطح المستوي الذي ليس عليه ما يثير .
وجود الحبيب إلى جوارنا يجعل منه ضابط إيقاع هذه الحياة، الناظم للأشياء والعادات، للحقائق وللأوهام أيضا .





رد مع اقتباس
