.









أصفر وبرتقالي وأبيض



*جريدة الخليج





يوسف أبو لوز:


للشاعر الأمريكي والت ويتمان (1819- 1892) قصيدة صغيرة يتحدث فيها عن ترويض الثيران على يد صديق له علّمه ترويض هذه الحيوانات الحرّة الطليقة قبل أن يُؤتى بها إليه وهي في عمر الثلاث والأربع سنوات.


القصيدة التي يمكن تحويلها قصة قصيرة تحكي حياة هذا المزارع المروّض وأيضاً تحكي حياة هذه الحيوانات التي يجري تحويلها إلى كائنات مُطيعة تماماً بعد الترويض الذي يبدأ بالحيوان الأصغر «العِجل» الأكثر وحشية في صغره، لكن المزارع يقوم أولاً بقمعه، ثم بلا خوف وبلا تردد يمضي المزارع في الترويض إلى أن يحوّل هذه العجول الصغيرة والثيران الشابة والمكتهلة إلى «حيوانات جميلة ذات سيماء مترفّعة».


ويمضي والت ويتمان في وصف هذه الحيوانات المروّضة «البعض بلون أصفر برتقالي، والبعض مُبرقش، وواحد من الثيران لديه خط أبيض يمتد بطول ظهره، والبعض رمادي بخطوط داكنة، البعض لديه قرون عريضة منفرجة».


هذه الحيوانات التي كانت قبل سنوات قليلة شرسة متمرّدة مندفعة في الهواء والحقول تصبح أقرب في صورتها اليومية إلى جوقة حيوانية جميلة، مُلوّنة وبعيون ذكية، ترقب مُروضها كلما جاءها إلى الحظيرة، وتأمل في أن يقترب منها، ويربت عليها، ويمسّد جلدها البقري الناعم، لكن المزارع المروّض لا يكترث بكل هذه البهجة الحيوانية حين تُعبّر العجول والثيران عن سعادتها برفع قوائمها أمام المزارع، وأكثر من ذلك، ما إن يغادر المروّض أرض الحظيرة الجميلة حتى تشعر الحيوانات بالقلق لغياب هذا المزارع الأمّي، الصامت، «الذي يحبّه ألف ثور».


لقد سمحت لنفسي كقارئ أن أحوّل هذه القصيدة إلى قصة قصيرة بتدخل طفيف بعد ترجمة الشاعر المصري الرائع رفعت سلّام، الذي ترجم 990 صفحة من القطع الكبير تحمل كل شعر والت ويتمان، الأمريكي الجميل الآخر الذي عاش في زمن ثقافة «الكاوبوي»: القبّعات الاستعلائية والمسدسات الجاهزة للإطلاق، والجزمة الجلدية الطويلة، لكنه لم ينسجم مع هذه الثقاقة، وأطلق لحيته بلونها الأبيض لكي تعشش فيها الفراشات، ويتحوّل إلى شاعر وليس ثوراً مُروّضاً أو عِجلاً أصفر برتقالياً مُبرقش اللون.


إذا أردت أيضاً، فإن شيئاً من قيمة هذه القصيدة الصغيرة الجميلة لا يكمن فقط في بساطة تحويلها إلى حكاية شعبية زراعية عن مروّض الثيران قبل أكثر من مئتي عام، بل إن قيمة شعر كهذا تكمن في البيئة التي وُلِدَ وكتبَ فيها: بيئة زراعة وَحَرث وفلاحة، وحقول وشمس وضباب ومطر وغيوم، وألوان: أصفر، برتقالي، وأبيض.


بعيداً تماماً عن الفكرة المباشرة لهذه المقالة، هل يمكن ترويض الألوان؟ واللون دلالة ومعنى، وصوت، وثقافة، وهوية، وجنس، وكتابة.