مع الحياة دوماً
مقال فوزية السنــدي
الملحق الثقافي / دار الخليج
1
كفّي الملام وعلليني، فالشك أودى باليقين
وتناهدت كبدي الشجون، فمن مجيري من شجوني؟
وأمضني الداء العياء، فمن مغيثي أو معيني؟
أماه قد غلب الأسى، فترفقي لا تعذليني
أنا شاعر أنا بائس، أنا مستهام فاعذريني .
عندما كان الشاعر فهد العسكر مسكوناً بحساسية عالية مع ذائقية متفردة نحو الشعر، كانوا ينصتون لسواه من كتبة الشعر بحماس طاغ، ويصفقون بشدة لسيل المدائح والهجاء المنسدلة من عروش الشعراء في تلك الآونة من الزمن، حيث الشعر لا علاقة له بالقلب بل بكلمة قلب أو حب أو ما شابه ذلك، المشاعر مجرد كلمات جافة تتهاوى على الهواء نحو آذان لا تسمع الا وقع الأوزان الفارغة من معانيها، أوزان مدوزنة كحوافر الخيل أو تهادي القوافل الشعرية .
عندما كان فهد العسكر يحتضر في المستشفى وحيداً، ليموت وحيداً ويدفن برفقة إمام المسجد وثلاثة غرباء، كانوا يبحثون عن شعره ليحرقوه أمام بيته .
سمة الحياة التحديات، ولتكن معها على الدوام، لك أن تثق بموقفك معها، وبمعرفتك بمن يقف ضدها، من يتوهم قدرته على محو نورها، من يستهيم بالقيود التي يتباهى بها، من لايرى ما يراه الأعمى المنعم بحريته وبصيرته النيرة .
هكذا تعمدت سيرة فهد العسكر بأقسى التحديات المتصلة بطبيعته الشعرية والحياتية في آن، تحد واضح بلا نفاق أو ديمغاجوية تتسلى بمشاعر الناس أو الجمهور، أو مزايدة لا تتصل بالشعر ولا بالسلوك كما يحدث الآن .
2
بعد مضي ما يقارب الوقت الطويل على موته ونهضة تجربته الشعرية، مازلنا نصغي لتأوهات حروفه برعشة ضالعة في معالم الحنين لمعنى الحزن الكفيف، شعر صادق ناهض من رجفة الروح، بساطة غالبة ومتزنة بوعي عميق، المعنى يستدل عليه عبر الاحساس بما كان يصطرع في فؤاد العاشق وحده، ذاكرة تؤصل لمرحلة تاريخية لا تشمل الكويت وحدها بل المنطقة والوقت برمته، مرحلة خاضت تآويل الكبت والغبن والضيم سواء من المستعمر أو المستبد أو الذات، مرايا تتعدد نحو الأنا لإدامة فعل التشظي وقسوة المنتهى .
هكذا مكابدة لا يستهان بما ستأتي به على الورق من مشاعر رهيفة تلاسن تعبه وتترجم شقواه، حيث ينداح القلب المتلظي بفعل الهوى المصادر، حيث الظلمة تنير البصيرة نحو نور المحبة، هكذا كان فهد يكتب الليل وحده .
لم يكتفوا بوضعه في المستشفي حتى مات متضرراً من التدرن الرئوي، بل تعمدوا إحراق شعره كله، لولا مقتطفات قليلة لدى بعض الاصدقاء لغاب عنا كل ذاك الشعر المكتوي بجلاء التجربة الحياتية المصقولة بالصدق التعبيري والحرية الموعودة، كأن السؤال الذي هتف به لا يزال:
أنا إن مت أفيكم يا شباب
شاعر يرثي شباب العسكر؟
3
على الغالب تتصل القراءة الشعرية عربياً بتقصي التفاصيل السطحية والهامشية من حياة الشاعر، ولا تستحث أدواتها نحو تجربته الشعرية أبداً، التدوين يكون للحدوث الحياتية التي تتالت عليه، كأنهم يستدلون من خلالها على ما كان يعانيه أو يرفل به، دعاة التأريخ أو مدعو التوثيق الادبي لا يألون جهداً للبحث عن خطا الشاعر من خلال ابداعه الفني الذي يحتاج الى مسايرة وقراءات متتالية لسبر اغوار معاناته وتجلياته، لذا يكتفون بولادته ونشأته وحياته الأدبية ثم موته ونماذج من أشعاره .
واذا حل النقد الأدبي نراه يذهب نحو قواعد البلاغة والموازين والزخارف والمراد اثباته من المعاني والصور، ثمة تعميمات أخرى تتزين بها الحواشي لكل شاعر على حدة، يتصف بها وتوسم الذاكرة الثقافية به .
تجربة فهد العسكر خضعت للمقاييس ذاتها والتعامل التاريخي والنقدي معاً، شأنه كغيره من الشعراء والشاعرات طيلة تاريخنا العربي، الفرق الشاسع تمثل في قدرة شعره وحده على الدفاع عنه، ثمة تدليل على التماع موهبته وفرادتها كامن في كل هذا التأثير الراهن برغم ندرة النصوص الشعرية التي سلمت من الحريق .
نصوص دامت على سجية بريئة، تناولتها الأيادي والقلوب، مذاق خاص اتصفت به، لقدرتها على مناهضة تابو العصر الذي تصدى له فهد وهو يدافع عن رؤاه التحررية ودعوته نحو الحرية بمعناها الشمولي المداهم لضيق الافق السائد .
تلك الشحنات النبيلة بقدر ما ايقظت حروفه واتقدت بكلماته بقدر ما أوهنت جسده، ليموت كفيفاً وكفيلاً بنا نحن الأحياء العابرون نحو كلمات ترى اكثر وتحيا للأبد .
ليذهب بسلام من دون أن يرى لهيب الحرائق وهي تشعل جمرات كلماته العصية على الرماد .
“ورأيت أحلام الصبا والحب صرعى في جفوني
ولفظت روحي فأطبعي قبل الوداع على جبيني
وإذا مشوا بجنازتي ببنات فكري شيّعيني
وإذا دفنت فبللي بالدمع قبري واذكريني .





رد مع اقتباس