ذوات محكومة بالصراع بين التقليد والحداثة
"الأرجوحة" تأخذ المتلقي من الرياض إلى جنيف
والعسكر” يدرك أن عملها الروائي الجديد “الأرجوحة” يندرج في اطار الكشف عن الواقع الاجتماعي بين حدي الثابت والمتحول، على اعتبار أن الثابت هو منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية المستمدة من قوة الارث التاريخي، أما المتحول فهو تلك التحولات التي ولدتها الحداثة في البنى المختلفة للمجتمع، وما أوجدته من تغيرات على مستوى الأفراد، كما تتجه “الأرجوحة” الى كشف مكامن الصراع من خلال المرأة بوصفها رمزا لصراع غير محسوم بين الثابت والمتحول، وبين التقليد والحداثة .
تتناول الرواية حيوات ثلاث نساء هن: مريم وعناب وسلوى، كن زميلات أثناء الدراسة الجامعية ثم فرقتهن الأيام والتقين لاحقا في مدينة جنيف في سويسرا، حيث كان ذلك اللقاء مناسبة للاضاءة على حياتهن السابقة في مدينة الرياض، خاصة وأنهن قَدِمن الى جنيف، حيث تبحث كل واحدة منهن عن الزوج الهارب أو الرجل الذي أحبته .
تبدأ الرواية لحظة ركوب مريم الطائرة وهي متجهة الى جنيف بحثا عن زوجها مشاري، حيث ترى الأرض من الأعلى وقد هبت عاصفة ترابية، ويأتي سياق السرد ليؤكد على أهمية المكان واقعيا ورمزيا، وهو ماسيدفع بمريم الى طرح مجموعة من الأسئلة على نفسها، وحول حياتها الزوجية، وزوجها الذي تغير بفعل الكثير من العوامل الموضوعية التي صادفته، حيث أصبح أكثر ميلا للشعور بعبثية الحياة وعدم جدوى الكثير من القيم الليبرالية والحداثية التي كان يحملها في مواجهة صلابة الواقع .
كان خروج مريم مناسبة أخرى كي تنظر الى ذاتها، التي بدت لها غريبة عنها: “من هذه المرأة؟ تتساءل مريم، وهي تشاهد صورتها المنعكسة على نافذة الطائرة، كانت امرأة أخرى مسكونة بالحزن والقلق . غيرت صيغة السؤال: أين تلك الفتاة التي كانتها في العشرينات من عمرها ؟ الفتاة الجميلة، والبسيطة، والرومانسية، التي تحب الناس ولا تهتم كثيرا بالمظاهر من ثياب متكلفة أو اكسسوارات، الشغوف بحكايات الناس وقصصهم، ولم تكن تهتم بضخامة الأبنية أو جدرانها المزخرفة، بقدر اهتمامها بروح الأمكنة ودفء الأحاديث فيها” .
تستند البشر إلى وصف مريم للتغيرات التي مرت بها منذ أن كانت طالبة في الجامعة والى لحظة مغادرتها الى جنيف كي تعبر في الوقت ذاته عن التغيرات التي مرت بها مدينة الرياض، التي انتقلت بدورها من الحياة البسيطة الى حياة أكثر تعقيدا بفعل العوامل الحداثية ذات الطابع الاستهلاكي، من دون أن يعني ذلك توطينا وتأصيلا لمرتكزات الحداثة في علاقة المجتمع بالمرأة، وهو ما سيتوضح لاحقا من المكاشفات بين مريم وصديقتيها عناب وسلوى .
إن اللحظات الأولى لوصول مريم الى جنيف ستكون بمثابة صدمة بصرية، تحمل في طياتها الكثير من الإيحاءات والإشارات للفوارق الجوهرية بين المدينتين الرياض وجنيف، وبين الشرق والغرب: “الصمت هنا ميزة مفضلة على الكلام . الطبيعة وحدها التي تؤانسك . تثرثر معك . تستفزك . تتحرش بك . ألوانها تجتمع في شجرة واحدة: البرتقالي، والأحمر والأصفر، والبني . تتحدى ذاكرتك إن كنت قد رأيت مشهدا مثل هذا من قبل في صحرائك” .
بين مدينتين وعالمين تتأرجح مريم وصديقتاها، كل واحدة منهن تحاول تغيير قدرها، ذلك المحكوم دوما بالرجل، وهو تغيير مرتبط أيضا بالرجل ذاته، برجل منفتح ومتنور، أو لديه تقدير للعاطفة، أو قادر على الوقوف في وجه المعيقات التي يصنعها الواقع دفاعا عن طبيعة العلاقة التي تربطه بمن يحب، وهكذا تصبح صورة الرجل أيضا في حالة من التأرجح، خاصة ذلك الذي يزعم قيم الانفتاح، فهو ينوس بين أفكاره وبين مصالحه المرتبطة أشد الارتباط بما حوله من بنى مثل العائلة والعمل والقوانين الصارمة للمجتمع .
في جنيف تنتعش ذاكرة النسوة الثلاث حيث يكون اللقاء مجددا فرصة لسرد تفاصيل حياتهن، بكل ما فيها من تحديات، حتى إن الكثير من اللحظات المؤلمة تصبح مجالا للتندر كما في حالة سلوى التي عانت الكثير أثناء زواجها من عبدالرحمن الذي كان يضربها لأتفه الأسباب، وكان ضربه يودي في بعض الأحيان إلى جروح أو كسور، لكن سلوى حين تستعيد تلك الذكريات أمام صديقتيها مريم وعناب تحولها إلى ما يشبه النكتة، وكأنها تتحايل على ما في الذاكرة من ألم: “تحب سلوى أن تعيد الحكايات في كل مرة تجد لها مستمعا، وتبقى مسلية مع ذلك، كانت سلوى هي المتزوجة بينهن في تلك الذكريات، لكنها ظلت من يومها هي الأكثر غبطة بالحياة، وتلمسا لفرحها، كانت تخبئ رعبها من زوجها عبدالرحمن في أحاديثها معهما، تقص عليهما قصص عراكها الدامي معه كأنها تروي نكتة، وتنتهي بهما وهما يمسحان آثار ضحكهما من عيونهما الدامعة، وقد غسل الفرح كل ركن من روحيهما” .
تعترف سلوى في قرارة نفسها بأن الحياة التي عاشتها لم تكن إلا انتقالا من هاوية إلى أخرى، فالهاوية لم تكن الفقر، وإنما وجود المال بكثرة أحيانا، وهو وجود ستكتشف لاحقا أنه بالمقارنة مع ما يمتلكه الآخرون ليس بالكثير كما كانت تتصور، وكذلك الحياة الأسرية التي طالما شعرت أنها تشكّل لها نوعا من الحماية في ظل وجود العائلة الكبيرة، ستكتشف أن الأمر ذاته لا يعود حماية للذات، بقدر ما يغدو مع مرور الوقت مشكلة وعائقا لها، خاصة في اللحظات المصيرية، حين تتخذ العائلة قرارات مصيرية تخص حياتها، من دون أن يكون لها القدرة في الأخذ بزمام الأمور، وتقرير مصيرها بنفسها، وهو ما يؤشر في سياق الزمن الروائي إلى حالة وعي الشخصية بطبيعة وجودها، وحدود حركتها، وسقف الحرية التي تتمتع بها، بعيدا عن الأوهام، وهي أوهام كانت قد صنعتها العوالم المغلقة التي عاشتها أثناء الطفولة من دون أن تدري حينها أنها ليست إلا عوالم صغيرة: “بيت يفيض بالنساء، زوجات أبيها الثلاث على ذمته، وست مطلقات جلسن يرعين أولادهن في البيت نفسه، وعشرون طفلا غير الأخوة الكبار، وصديقات الأمهات، والأخوات وصديقاتهن، والخادمات وتحلقهن لترتيب الولائم الكبيرة، لم تشعر بالنفور يوما وسط ذلك القطيع النسائي الكبير، وكانت تجد كل ما حولها منسجما، كان لديها بيت كبير، وغرفة واسعة، وإخوة وأخوات” .
تطرح شخصية سلوى جملة من المفارقات المجتمعية، حيث تعطي العائلة الكبيرة بشكلها التقليدي انطباعا بالأمان، والذي ما يبدأ بالتلاشي في لحظة الخروج إلى المجتمع، واكتشاف أبعاد الذات المتصادمة مع القيم التقليدية والأعراف، وهي إشكالية تبدو أكثر صعوبة بالنسبة للمرأة من الرجل، خاصة في حالة خوض مجموعة من التجارب التي تُنمي الوعي بالذات والآخر، ما يجعل الصراع مكشوفا على احتمالات لا تصب نتائجها في مصلحة المرأة .
أما عنّاب الشخصية المحورية الثالثة في الرواية، ذات البشرة السوداء، والتي وضعتها تلك البشرة منذ طفولتها في مرتبة أدنى من الآخرين، فكانت عرضة للاعتداء عليها جسديا في سن مبكرة، ثم تزويجها للتستر على نتائج ذلك الاعتداء، ثم الانفصال نتيجة ذهاب الزوج إلى بلاده وعدم العودة، وعملها لاحقا في فرقة لإحياء حفلات وأعراس النساء، وحرصها على دخول الجامعة، كل تلك الحياة صقلتها في جوانب عدة، كما جعلتها تنظر إلى الأمور بطريقة متطرفة أحيانا ومبالغ بها إلى الأمور في الوقت نفسه، لكن سياق حياتها أعطاها مساحة أكبر من الحرية في شؤون حياتها، وهو ما يؤشر إلى مسألة العلاقة بين الحرية والمرتبة الاجتماعية للفرد في المجتمعات التقليدية، حيث تتيح في بعض الأحيان المرتبة المتدنية للفرد اجتماعيا واقتصاديا هامشا أوسع من الحرية واكتشاف الذات، خاصة في المجتمعات التقليدية التي يأخذ فيها الفرد قيمته من انتماءات تتجاوز قدراته الخاصة، وترتبط بمنبته العائلي، ومكانة العائلة في السياق الاجتماعي الأعم .
تلك الحكايات للنسوة الثلاث في “الأرجوحة” تتكثف في الموقف الذي سوف تتخذه مريم في نهاية الرواية، بعد أن كان سفرها إلى جنيف بمثابة إطلالة إلى مجتمعها من خلال مكان آخر، وهو مكان يفسح مجالا لتدفق السرد من دون حواجز المجتمع الأصلي، ما يؤشر إلى تلك المسافة الضرورية التي ينبغي أن تكون بين العين الرائية والواقع، حتى يتمكن السارد من التحرر من سلطة المكان، وكي يكون أمام الذاكرة هامش للتداعي، وللعقل قدرة على التحليل بشكل موضوعي بعيدا عن الانفعال، لذا فإننا نجد مريم وقد قررت العودة إلى الرياض، إلى حيث تركت طفليها عند أمها، والكف عن البحث عن زوجها، وفي المطار تجد مريم رواية “مدام بوفاري” التي كانت جزءا من مقرراتها الدراسية، فتشتريها لكي تعيد قراءتها، وتتذكر تلك الحياة التي عاشتها مدام بوفاري وأودت بها إلى الانتحار بالسم، وتتذكر أيضا كيف وقفت في الفصل الجامعي تدافع عن حياة مدام بوفاري وخياراتها وسط دهشة زميلاتها اللواتي اتخذن موقفا سلبيا من بطلة الرواية، وقبل صعود مريم إلى الطائرة تلحظ مريم رجلاً يشبه زوجها مشاري “في تلك اللحظة لمحت قامة تشبه قامة مشاري، فلم تدر ما تفعل؟ أتركض نحوه وتعانقه؟ أم تهزه من ذراعه وتعاتبه؟ وقبل أن تصحو من أسئلتها كان مشاري قد اختفى، من دون أن تعلم ما إذا كان عائدا إلى الرياض أم مسافرا إلى بلد آخر . نهضت مريم حملت كتابها ولم تحاول أن تتلفت بحثا عن مشاري، ومضت تاركة كوب قهوتها على الطاولة يتصاعد منه البخار” .
تترك الرواية مجموعة من الأسئلة مع عباراتها الختامية، فهل عادت مريم لتعطي الأولوية في حياتها لتربية طفليها بعيدا عن خيارات زوجها في متاهة الضياع التي دخل بها؟ وبالتالي تكون قد قررت ترك الأرجوحة التي صنعها الرجل، أم أنها اعترفت بقوة الواقع وعدم قدرتها على مواجهته، وبالتالي فإن التأرجح سيظل السمة الأساسية لحياة الفرد في عالم ما زال الصراع فيه غير محسوم حول من الذي يحدد قيمة الفرد هو أم المجتمع؟ أم أنها أدركت أن حسم الصراع لمصلحة القيم الحداثية لن يكون إلا عبر الجيل الجديد، الذي ينتمي إليه طفلاها؟
* نقلا عن الخليج الثقافي،،