[frame="13 98"]

زهرة المدائن أسيرة
مقال حسن مدن
دار الخليج



استمر حصار القدس أربعين يوماً في نهاية القرن الحادي عشر . بعدها دخل الصليبيون المدينة في عام 1099 . كان هول الفظائع التي ارتكبت يفوق الخيال: استمرت عمليات القتل يومين متتاليين قُضي فيها على الغالبية الساحقة من المسلمين، بمن فيهم الأطفال .




يهود المدينة الذين شاركوا في المقاومة في البدء، سرعان ما تملكهم الرعب بعد سقوطها، حين دعا زعماء الطائفة أبناءها إلى التجمع في المعبد اليهودي لأداء صلاة جماعية، لكن الصليبيين أحاطوا بالمعبد، وأضرموا النار في المعبد بمن فيه .




القاضي الجليل أبو سعد الهروي هرع من توه إلى مقر الخلافة في بغداد ليحمل نبأ سقوط المدينة والفظائع التي ارتكبت فيها . هاله ما رأى حين وجد الخليفة ومن حوله في حالٍ من الاسترخاء، ويقال إنه ألقى خطبة مؤثرة أبكت الرجال الموجودين .




بقي الصليبيون في القدس حتى نهايات القرن الثاني عشر، حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من حشد وتعبئة القوى في مصر وسوريا ومن ثم دخول القدس محرراً عام ،1187 وليعلنها مدينة مفتوحة، حيث أعطى اليهود مساعدات من الدولة لإعادة بناء معابدهم، وحال دون أن يلحق بالكنائس أي ضرر .




تكررت المحاولات الصليبية لاستعادة القدس من دون جدوى، رغم أن قائد الصليبيين المعروف بقلب الأسد، أفلح في إعادة احتلال عكا، وارتكب ضد أهلها المذابح، لكن القدس ظلت تحت الحكم الإسلامي خلال القرون السبعة التالية، حتى انطلاقة المشروع الصهيوني بالدعم الأوروبي في القرن العشرين .




لم تشف الذاكرة الأوروبية المسكونة بالهوس الصليبي من جرح الهزيمة التي ألحقها بها صلاح الدين . وحين فرض الفرنسيون انتدابهم على سوريا، كان أول ما فعله حاكمهم على دمشق الجنرال هنري غورو زيارة قبر صلاح الدين الأيوبي بجوار الجامع الأموي، ليقول كلمته السوقية الشهيرة: “ها نحن عدنا يا صلاح الدين، لقد انتصر الصليب على الهلال” .




كان هذا الجنرال المهووس بالقوة والتشفي الحاقد يحرض غرائز الكراهية لدى الطوائف والأديان .




سيجد الغرب في المشروع الصهيوني ضالته لتصفية الحساب مع التاريخ . فالمدينة التي حوّلها الخليفة الراشد الثاني عمر ابن الخطاب إلى مدينة مفتوحة للأديان كلها، وعلى هديه سار صلاح الدين الأيوبي، فقدت هذه الصفة مع استمرار تقدم مشروع التهويد، بإغلاقها وطرد السكان العرب الأصليين بالقوة وإراقة الدماء .




مرةً أخرى، تصبح زهرة المدائن أسيرة .
[/frame]