الحبــــر
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج







“لو أن البحر مداد” فكرة قديمة، لكنني أستعيرها اليوم بل قل أسرقها لإثبات أن الكتابة لا تنتهي، خصوصاً حين تكون غريبة وشهية وغير ملائمة . كتابة غير طالعة من القلب لأن القلب لا يطلع من نفسه، وكتابة تنحت المخ وأوردة الصدر على جسد القصيدة، ثم تترك الباقي لقارئها مهما كان بعيداً .




القراء البعيدون يغرون أكثر بالمغامرة، والمغامرة لا تتحقق إلا بكتابة يتلقاها البعيدون فلا يقتربون، بل يبتعدون أكثر، ويذهبون في قاعات المطارات، ثم يختفون فجأة، ويظن الآخرون أنهم مسافرون وهذه أكذوبة .


المسافرون يصلون إلى أماكن أخرى، لكن هؤلاء يذهبون ولا يصلون . يذهبون ولا يعودون، لا يتحققون أجساداً في الفراغ ولا يتحولون إلى الذكرى . نَفَسهم الاختفاء طويل، فهذه هوايتهم منذ طفولة ما زالت تلعب بهم، وتدخلهم في دهاليز الهلع . أولهم لا يختلف عن آخرهم، وبينهم سلسلة من المكابدة والتنهدات، ويذهبون . يذهبون بعيداً ولا يتراجعون، أية شجاعة هذه التي تطوق هؤلاء بأحلامهم، ثم تجعل الأحلام، حتى المستعصية، أليفة إلى هذا الحد؟ . . أية جرأة هذه التي تودي بالكائن فإذا هو صنو النجاة وتوأم الحياة؟ . . أية إلياذة وأية اوذيسة؟ . . لا عناوين أسطورية بعد الآن . لكن الحياة تتوالى فصولاً وأعماراً وكأنها موت .


الحياة هنالك وهنا وفي كل صوب، ولو أن البحر مداد لاستغنيت عن رأسي على سبيل الفور، وانطلقت في ركض أتلاشى معه ولا أبين . أذهب بعيداً، ولا أكتب قصائدي المقبلة بل أعيشها .


الحياة أهم من القصيدة، ولو تحققت القصيدة فلماذا كتابتها؟




يسيطر عليّ ذلك الهاجس منذ عقود . منذ اهتدى قلمي الى وجعي، ومنذ بدأت أغمسه في حبر القلب، وألملم به الحروف، والمعاني والوشوشات .




ولو أن البحر مداد لتعبت كثيراً وجلست، القرفصاء، على شاطئه، وقلت: ما أصعب الكتابة بمداد البحر . زجاجة الحبر العادية تناسبني، وشرطي الوحيد ألا يكون الحبر مغشوشاً .