-
21 - 5 - 2010, 06:44 AM
#1
الحبر مقال حبيب الصايغ
الحبــــر
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
“لو أن البحر مداد” فكرة قديمة، لكنني أستعيرها اليوم بل قل أسرقها لإثبات أن الكتابة لا تنتهي، خصوصاً حين تكون غريبة وشهية وغير ملائمة . كتابة غير طالعة من القلب لأن القلب لا يطلع من نفسه، وكتابة تنحت المخ وأوردة الصدر على جسد القصيدة، ثم تترك الباقي لقارئها مهما كان بعيداً .
القراء البعيدون يغرون أكثر بالمغامرة، والمغامرة لا تتحقق إلا بكتابة يتلقاها البعيدون فلا يقتربون، بل يبتعدون أكثر، ويذهبون في قاعات المطارات، ثم يختفون فجأة، ويظن الآخرون أنهم مسافرون وهذه أكذوبة .
المسافرون يصلون إلى أماكن أخرى، لكن هؤلاء يذهبون ولا يصلون . يذهبون ولا يعودون، لا يتحققون أجساداً في الفراغ ولا يتحولون إلى الذكرى . نَفَسهم الاختفاء طويل، فهذه هوايتهم منذ طفولة ما زالت تلعب بهم، وتدخلهم في دهاليز الهلع . أولهم لا يختلف عن آخرهم، وبينهم سلسلة من المكابدة والتنهدات، ويذهبون . يذهبون بعيداً ولا يتراجعون، أية شجاعة هذه التي تطوق هؤلاء بأحلامهم، ثم تجعل الأحلام، حتى المستعصية، أليفة إلى هذا الحد؟ . . أية جرأة هذه التي تودي بالكائن فإذا هو صنو النجاة وتوأم الحياة؟ . . أية إلياذة وأية اوذيسة؟ . . لا عناوين أسطورية بعد الآن . لكن الحياة تتوالى فصولاً وأعماراً وكأنها موت .
الحياة هنالك وهنا وفي كل صوب، ولو أن البحر مداد لاستغنيت عن رأسي على سبيل الفور، وانطلقت في ركض أتلاشى معه ولا أبين . أذهب بعيداً، ولا أكتب قصائدي المقبلة بل أعيشها .
الحياة أهم من القصيدة، ولو تحققت القصيدة فلماذا كتابتها؟
يسيطر عليّ ذلك الهاجس منذ عقود . منذ اهتدى قلمي الى وجعي، ومنذ بدأت أغمسه في حبر القلب، وألملم به الحروف، والمعاني والوشوشات .
ولو أن البحر مداد لتعبت كثيراً وجلست، القرفصاء، على شاطئه، وقلت: ما أصعب الكتابة بمداد البحر . زجاجة الحبر العادية تناسبني، وشرطي الوحيد ألا يكون الحبر مغشوشاً .
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى