وأصبحت شاعراً يا جنان
قصة: تركية عبد الحفيظ/ليبيا
كنت مستغرقاً في مراجعة بعض مواد الصحيفة التي أرأس تحريرها، حينما صرخت زوجتي:
- ضربوا العراااااااق.
نزلت من مكتبي مسرعاً حتى كدت أسقط من أعلى الدرج، كان «شاكر حامد» مراسل قناة «أبو ظبي» يصرخ:
- ها هي المضادات الأرضية تطلق صواريخها، و....
أنتفض قلبي وأنا أرى بغداد تشتعل، صفارات الإنذار يرتفع عواؤها المخيف، القنابل تتساقط، والانفجارات تتوالى، وأصوات سيارات الإسعاف والمطافي تختلط مع صرخات «شاكر حامد».
غيرت القناة إلى قناة الجزيرة، وجدت مراسلها أيضاً في حالة هلع، أخذت أضغط على «الريموت كنترول» بحثاً عن مسؤول عربي يقول لا.. فلم أجد.. في الفضائية المصرية فيلم كوميدي لإسماعيل ياسين عرض ولم يتوقف، بينما أشقر «يوري مرقدي» يصرخ في إذاعة عربية: عربياً أنا.. فاخشيني.. ويل إذا... عدت لـ»أبو ظبي» لأتابع أخبار القصف، انقبض صدري وأنا أرى الصواريخ تدك العراق، عراق دجلة والفرات، ناظم الغزالي والجواهري، البياتي والسياب، وجنــان.. آه يا حبّة القلب، كلما أسمع صراخ عراقية في إحدى نشرات الأخبار – التي أصبحت لا أتحرك من أمامها لي نهار- أقول لعلها «جنان».
أكثر من مرة أبدأ في ضغط أزرار الهاتف طلباً لمهاتفتك، وفي كل مرة أتراجع، لعله الخوف من ألا أجدك، وحينما قصفت محطة الاتصالات ندمت على ضياع فرصة الاتصال، وليلة قصف وزارة الإعلام نزلت دموعي غزيرة، أخرجت صورك التي صادرتها زوجتي فترة من الزمن، وأخذت أتأملها، ذكرتني بأوقات جميلة، عشتها بقربك أيام مهرجان المربد الشعري، كنت رقيقة كمياه دجلة وصافية كسمائها، تسكعت معك في شوارع بغداد شارعاً شارعاً، زرنا متاحفها ومكتباتها وأسواقها الشعبية، أنام وآخر صوت أسمعه عبر هاتف غرفتي بفندق فلسطين هو صوتك، تقترحين علي جولة الغد وأصحو على نغم صوتك: صباح الخير عيني.
عيني.. قلبي.. روحي.. كلمات لم أعتدها في بلادي من أي زميلة أو صديقة، فهي بحكم المحرمات، ولا تقال إلا سراً.. فهل رأيتِ العرق الذي أخذت أمسحه ويأبى أن يتوقف يوم تعارفنا، وأسمعتني هذه الكلمات التي لا تفارق لسانك العذب!!؟
واكتشفت بعد ذلك أن موظفة الاستقبال في الفندق تقولها وسائق التاكسي وأهل بغداد كلهم يقولونها، وعرفت لم الجواهري ومظفر النواب والسياب ونازك الملائكة وسعدي يوسف شعراء!؟
سألتني مرة:
- أتقرض الشعر؟
قلت لكِ:
- للأسف.. لا
استغربت ولم تصدقي وقلتِ:
- هدوءك ورقتك، وكلامك الحلو، ولست بشاعر؟
اليوم يا جنان صرت شاعراً.. وللأسف، فالعرب لا يملكون إلا الشعر.
ابتسامتك في الصورة التي جمعتنا معاً جالسين في بهو الفندق لم أر أجمل منها، عيناك الرائعتان تلاقت في لحظة واحدة مع عيني، فشدتاني بمغناطيس غريب، لم أستطع معه رفعهما باتجاه المصور، فما كان منه إلا أن فضح انبهاري بك، كان ثوبك قصيراً يكشف عن ساقين مرمريتين، تستند إحداهما إلى جانب الأخرى، أما حذاؤك فأثار سنين الحصار بادية عليه، ولا يزال بغبار الطرق التي عبرناها معاً.
زوجتي وهي تمارس عملها الروتيني في كل عودة لي من السفر، وقعت عيناها على هذه الصورة فقامت القائمة، إذ أشعلت نيران غيرتها من دون الصور، فصورهن كثيرة، هذه شاعرة، وهذه قاصة، وهذه مخرجة، وهذه إعلامية، وهذه زوجة فلان، وهذه أخت فلان.. فقالت:
- ومن هذه؟
صحفية أجرت معي لقاء..
- ما اسمها؟
- جنان
عندما نطقت باسمك ارتعش لساني ولعلها شعرت بتوتري.
- يا عيني!!
وشتان شتان ما بين عيني التي تقولينها وعيني تهكم الزوجة الغيور، وانهالت علي أسئلة تحقيقها:
- لماذا تضع عينيك في عينيها!؟
- لماذا لديك معها أكثر من صورة!؟
- ولماذا...؟
ولها كل الحق في هجومها، فجمالك فجرها، خافت أن تكوني قد احتللت مكانها في القلب، ولكن أين لها أن تعلم أن روحك قد امتلكتني، فبقيت أياماً مأخوذاً بسحرك، وتعابيرك: عيني، قلبي.. أسمعها قريبة فالتفت يمنة ويسرة فلا أجد شيئاً!
وعاودت زوجتي تحقيقها مجدداً لأني دائم الحديث عنك بقصد أحياناً، بدون قصد أحياناً أخرى، كأن أناديها: جنان.
حاولت التستر عن مناداتي لها بجنان هو إثارة لغيرتها فقط «هو أنا ناقص!؟».
قلت لها إنك إنسانة مثقفة وراقية، ولا يوجد بيننا إلا الاحترام، وعرضت عليها أن تتعرف عليك وتحديتها بأنها ستعجب بك مثلي تماماً، فكان اتصالنا بك ليلتها، وليلة مغول العصر يمطرونكم بوابل من القنابل والصواريخ، كانت تبكي بشدة وتقول:
- زعمة وين جنان!!!؟
في نفس الوقت كان قلبي يعتصره هذا السؤال.
* الثورة الســورية،،