القصيدة عكس الحياة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
البداية الأكيدة حتى يبدأ الشاعر قصيدته هي ألا يبدأها أبداً . لا يقال هذا على سبيل التعسف ولزوم ما لا يلزم، لكنه واقع الشعر والحياة . تكون القصيدة حية فقط حين تجيء وحدها، وتتدفق من تلقاء نفسها، وترهق شاعرها بمرضها وصحتها وخبرتها ووجعها وأسئلتها الجارحة . هكذا فقط تولد القصيدة ولادة طبيعية، خارج كل إرادة متجبرة أو عملية قسرية أو قيصرية .
حتى تكون شاعراً، فلا تبدأ قصيدتك! خذ هذه القاعدة التي تشبه البديهة مني، وعلّقها على جدران بيتك ومكتبك، واكتبها على جدران قلبك ووجدانك .
القصيدة بهذا المعنى عكس الحياة، وإن كانتا منذ التكوين الأول، تحفران معاً نحو معرفة المجهول، ونحو اختراع سترات النجاة، وحين تكون القصيدة عكس الحياة، فالمعنى محدد وغير قابل ل”الانفلاش” أو سوء الفهم . عكس الشيء ليس ضده، والمسألة برمتها، من بعد، نسبية .
لماذا القصيدة عكس الحياة؟ . . أنت تبدأ حياتك الحقيقية والفعلية، فيما القصيدة تبدأ من عوالم مجهولة لا يمكنك إدراكها أو لمسها . أنت تذهب إلى حياتك بعد ولادتك بمحض إرادتك، وقصيدتك تأتي إليك، فالرغبة متصلة بها لا بك . مهما رغبت فقصيدتك تحدد مسارها هي، ومهما ابتكرت الحيل واصطنعت المعجزات، فالأمر ليس بيدك، وخارج عن إرادتك . أنت تذهب إلى حياتك خطوة خطوة وإن كانت على مرمى حجر، والقصيدة تأتي إليك حرفاً حرفاً وحشرجة حشرجة .
وقد تأتي القصيدة شاعرها بعلامات معلومة كأن يتورم الوجه والقلب، وأن يتخثر دم المخ في ذروة حركة الحياة، وأن “تتلخبط” الدورة الدموية صعوداً وهبوطاً، وأن يتحول ضغط الدم من داء إلى إدمان، وأن ينسى المرء لون عينيه، وملامح أذنيه وأنفه، وخطوط كفيه، خصوصاً خط الحب والعمر .
وقد تتجاوز كل تلك العلامات . القصيدة ابنة المزاج، وفي حالتها على الشاعر أن يموت في الحياة كل يوم وينتظر، لكن عليه في حالة الحياة أن يحيا في الموت كل ثانية، ولا ينتظر . هذا هو الفرق .






رد مع اقتباس