لم يجد محمد طريقًا ليدخل الفرحة إلى قلوب أخواته الأربعة ويجلب لهن ملابس يرتدينها يوم زفاف عمه الذي لم يتبق له سوى أسبوع إلا أن يتوجه إلى حفر الأرض وزراعتها بيديه الصغيرتين اللتين لم تعرفا الخشونة أملاً منه أن يأتي بثمن الملابس قبل يوم الفرح.
لم تأت الرياح بما يشتهي محمد دهليز (14 عاماً)، حيث خرج ليساعد والده في لقمة العيش، ففي يوم عمله في الأراضي الزراعية باغته لغمٌ من مخلفات الاحتلال، والتهم جسده الصغير فقطع قدميه وأصابع يديه، وأضحى مقعدًا بنصف جسد.
هذا ملخص حكاية الفتى دهليز، الذي أصيب مؤخرًا بجروح خطرة في محررة "عتصمونا" برفح جنوب قطاع غزة أثناء عمله في الزراعة مع والده، مما أدى إلى بتر أطرافه السفلى وأجزاء من أطرافه العليا.
يقول والد محمد "من شهرين وهو يلحّ عليّ بأن يرافقني للعمل في الزراعة ويساعدني لنسترزق ونفرح أخواته البنات، حتى أصر على ذلك لما رأى أخواته الأربعة محرومات من الملابس الجديدة مع اقتراب فرح عمه، خاصة أنه الولد الوحيد بينهن ويريد أن يكون رجلاً ويساعد في رعايتهن".
ويتابع الوالد بألم "لكن لم يكن شيء في الحسبان رغم أني كنت خائفاً عليه لأنه وحيدي، وفجأة طلب مني أن أسبقه ليسلم على أصحابه الذين يعملون بالقرب منا وفجأة سمعنا صوت انفجار كبير، دون أن أدري أو يخطر ببالي أنه لغم انفجر في محمد".
وأصيب الوالد دهليز بالصدمة حينما توجه إلى المكان بعد صراخ عدد من الشبان، ليُفاجأ بولده مصابًا بشظايا الجسم وقد بترت قدماه وأصابع يديه وأصيب في رأسه.
ويقول الوالد المكلوم: "لم يعد للقميص والبنطال والحذاء الذي اشتراه محمد من عمله خلال يومين بالزراعة، ليحضر بهما زفاف عمه أي قيمة، بعد أن قطعت أطرافه".
ويتحدث بنبرة الرجل رغم صوته الذي أضعفته الإصابة "لم يكن أمامي إلا أن أساعد والدي حتى نعيش كباقي الناس وأفرِح أخواتي الثلاثة ليشترين ملابس لفرح عمي، ولهذا نزلت لأعمل في الزراعة".
ويصف الحادثة "كنت سأسلم على بعض أصحابي وأنا في الأراضي هناك وفجأة وأنا أمشي انفجر شيئ تحتي وحفر حفرة فطرت في الهواء ثم سقطت فيها، ولم أدري بنفسي إلا بعد لحظات فأخذت أصرخ وأنادي وزحفت إلى أن وصلت تحت ظل شجرة، وجاء الشبان ليسعفوني".
وبعد سكتة قليلة تابع محمد "الحمد لله، ماذا كنت سأفعل، أخواتي متحملات لهذه المعيشة وباقي البنات أحسن منهن، وأنبوبة الغاز وحليب وبامبرز أختي الصغيرة لما، ونحتاج كل شيء ".
وبعد، فقد تأجل الفرح وزاد حزن البنات حزناً واشتدت المسئولية على والده الذي أصبح يرعى معاقًا، أما محمد فاختصر أحلامه في حلم واحد، عبر عنه بقوله "سمعت بالأطراف صناعية، وأتمنى أن يركبوا لي منهن حتى أستطيع أن أتحرك وأمشي، ولأعود أساعد والدي وأخواتي".







رد مع اقتباس



