قوس قزح الحرية
مقال يوسف أبو لوز
الملحق الثقافي
دارالخليج
عرض مسرحية “النمرود” لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في مدينة “سيبيو” الرومانية في إطار مهرجان مسرحي عالمي تم تنظيمه مطلع هذا الشهر في “سيبيو” التي تعد عاصمة الثقافة الرومانية، وجرى عرض “النمرود” على مسرح عريق يعود في إنشائه إلى حوالي 300 عام، والأهم من ذلك أن العرض لقي استقبالاً استثنائياً من جانب جمهور عربي وغير عربي، وقد تمثل ذلك في تحية فريق مسرح الشارقة الوطني الذي أدّى العرض للجمهور، حيث وقف الفريق ثلاث مرات وهو يقابل تصفيق الجمهور الذي استقبل فكرة المسرحية ومضمونها ومفرداتها الفنية والجمالية بتجاوب لافت نقله لنا فريق المسرحية الذي سرعان ما تكيّف مع حجم المسرح، كما تكيّف مع الجمهور نفسه، حيث لم تقف اللغة العربية، لغة المسرحية، عائقاً أمام تفاعل الجمهور الأمر الذي يعني أن المسرح لغة إنسانية عالمية تمثلت في “النمرود” التي تدين الظلم والطغيان، وتؤكد أهمية العدالة والحرية، وهي فكرة نبيلة، وخير ما يمكن أن نقدم به مسرحنا العربي إلى العالم، وهذا ما حدث بالفعل في تظاهرة مسرحية دولية كانت خلالها صورة المسرح العربي الإماراتي مشرقة ومضيئة وسط اختبارات واجتهادات مسرحية عالمية.. وهنا لا نملك إلا أن نحيي مسرح الشارقة الوطني على هذه التجربة الإبداعية الناجحة في رومانيا، وهو العرض العربي الأول الذي يثبت جدارته في مدينة مركز ثقافي ومعرفي في أوروبا.
المادة الثانية تتعلق بفكرة ثقافة الحرية، وهي فكرة نبيلة أيضاً، ففي العدد تأكيد لهذه الفكرة من خلال اليوميات التي كتبها الروائي السويدي هيننج مانكل وهو على متن سفينة الحرية التركية التي سجلت بطولة عالية في عرض البحر وهي تتحدى حصار غزة، إذ سعت هذه الرحلة الإنسانية ليس فقط إلى كسر الحصار عن غزة، وإنما رفعه بالكامل، وها هي مؤشرات هذا الرفع تلوح في الأفق الدولي بعد انكشاف القناع عن الوجه “الإسرائيلي” المرفوض.
ولم ننس في المادة الثالثة أن نربط بين الحدث الكروي في جنوب إفريقيا وبين الثقافة والسياسة، وبذلك استعدنا صورة رمز بطولي عالمي هو رمز الحرية أيضاً وهو نلسون مانديلا الذي تستضيف بلاده هذه الدورة الكروية بعد زوال نظام الفصل العنصري الذي عانت منه هذه الدولة الإفريقية التي يقال عن شعبها “.. أمة قوس قزح”.. هذه الأمة التي أصرّت على انتزاع حريتها بالصبر والنضال والمقاومة.
في السياق ذاته.. سياق التجانس بين هذه الموضوعات عبر قاسمها المشترك وهو ثقافة الحرية ورفع الحصار ورفع الظلم والطغيان، تم التركيز على موضوع القمة الثقافية العربية المرتقبة التي يتم تداولها الآن في الأوساط الثقافية في الوطن العربي، وإن كان من مسألة جوهرية يتوجب أن تتبناها هذه القمة فهي، مرة ثانية وثالثة، تأكيد ثقافة الحرية وثقافة المقاومة، ونبذ الحصارات بكل أشكالها السياسية والعسكرية والثقافية، ليس في غزة فقط، بل في العراق وفي كل مكان من هذا العالم الذي آن الأوان لرجاله العادلين ومثقفيه ونخبه الطليعية أن يشكّلوا جبهة واحدة في “أسطول واحد” يعمل على انهيار كل صور النمردة والتنمرد في العالم الذي يتوجب عليه أن يغسل أخطاء السياسة بالثقافة والفن والإبداع الحر.
بقيت المادة الخامسة، والتي تلتقي أيضاً مع سابقاتها في إطار ثقافة الجمال والإبداع الإنساني الحيوي ممثلاً في سيرة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي تكرّمه فرنسا بإقامة ساحة تحمل اسمه في باريس، وفي الوقت نفسه يتم إشهار مؤسسة تحمل اسمه أيضاً ومقرها فلسطين التي خرج منها الشاعر منفياً ومطارداً وعاد إليها في كفن، ولكنه حاضر أبداً في الذاكرة العربية.. وحضوره دائماً يرمز إلى ثقافة الحرية وثقافة المقاومة.
خمس مواد تدور في فلك أشبه بقوس قزح هو علامة، أي هذا القوس، لكل إبداع وكل ثقافة وكل فن يقف إلى جانب الحياة ويوبّخ الموت.






رد مع اقتباس