النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ضـــحـــــايـــا الــحــــــرب والــنـــســـيــان

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    ضـــحـــــايـــا الــحــــــرب والــنـــســـيــان

    كتــــاب
    "وجوه منسية من فرنسا المحتلة" لأرميل مابون


    ضحـايـا الحـرب والــنـسـيان


    * النهار اللبنانية






    حجبت محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية مآسي عوب أخرى جُنّد أفرادها بالقوة قبل دفعهم وبلا رجعة أحيانا، إلى جبهات القتال.


    تألقت ما كان يطلق عليها "الأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية" في أساليب تجنيد ما سمّتهم "الأهالي"Les Indigènes ، الذين كانوا رعايا فرنسيين، لكن من دون أي حقوق مدنية. كان وضعهم على شاكلة دواب مشمرة في الصفوف الأمامية بالبنادق والسواطير. لكن التاريخ لم يحفظ لذكرهم، بعد نهاية الحربين الكونيتين الأولى والثانية، سوى شذرات باهتة.



    يبقى فيلم "الأهالي" للمخرج الفرنسي الجزائري رشيد بوشارب، بالكاد وثيقة مصورة مهمة للمجندين من المغاربيين والأفارقة بالقوة والسيف في حرب التحرير ضد الاحتلال الألماني لفرنسا. لكن مساهمات أبحاث ودراسات تاريخية وسياسية بمستوى وازن في هذا الموضوع الذي يهم النسيان وحق الذاكرة والتذكر، جاءت في العقود الأخيرة لرد الاعتبار الى ضحايا الجور والنسيان. بعد أبحاث محمد حربي، بينجامان ستورا، باسكال بلانشار وآخرين، وبعد الأشرطة الوثائقية "التاريخ المنسي، المشاة السنغاليون"، لآلن دو سيدوي وإيريك ديرو، "المشاة المالغاش" للمخرجين تييري ديبوا وبرنار سيمون، "معسكر تياروي" لعصمان سيمبان، و"تقاعد الأهالي" لفرديريك شينياك، وقّعت فيولين دوجوا روبان بمعية أرميل مابون، فيلم "منسيو الخيانة وضحاياها. أسرى الحرب الكولونياليون والمنحدرون من شمال إفريقيا".



    غير أن أرميل مابون دفعت بالبحث شأوا بعيدا عندما تسلمت عام 1987 من صديقة عملت مساعدة اجتماعية في المصلحة الكولونيالية بمدينة بوردو خلال الحرب العالمية الثانية، كيساً من الأرشيفات، اكتشفت في طياته المصير الذي خصصته الأمبراطورية الفرنسية لأسرى الحرب المنحدرين من المستعمرات القديمة وبخاصة من شمال إفريقيا. ظنت أرميل مابون كما كان يعتقد الكثيرون، أن جميع الأسرى كانوا معتقلين في ألمانيا. لكن بتصفح الأرشيفات اكتشفت أن المنحدرين من المستعمرات السابقة الذين انتشلوا من المزارع والأحراج، أقفل عليهم بالعكس في فرنسا التي كانت ترزح تحت الاستعمار الألماني. لكشف هذه الحقيقة لجمهور عريض، انكبّت أرميل مابون على كتابة فيلم وثائقي، أخرجته فيولين دوجوا روبان، جمعت فيه شهادات الأحياء من الأسرى الذين وقعوا في أيادي القوات الألمانية داخل التراب الفرنسي.


    السؤال الرئيسي الذي يعتبر الشاغل الرئيسي لموضوع الكتاب هو: أي موقف لفرنسا التي كانت كانت تحدوها رغبة الهيمنة وترزح في الوقت نفسه تحت السيادة الألمانية، تجاه مجنديها المنحدرين من مستعمراتها القديمة؟



    الإمبراطورية الفرنسية
    في غمار الحرب



    جندت فرنسا كل ما أمكنها من الطاقات البشرية للدفاع عن أمبراطوريتها. في الحرب الكونية الأولى، إذا كانت نسبة المجندين من الفرنسيين بلغت عشرين في المئة، فإن عدد الأهالي كان أقل بذلك، إذ بلغ 545000 جندي، أي بنسبة واحد في المئة من مجموع سكان المستعمرات، لكن مع تمايزات بحسب أصول المجندين: من 1,3 إلى 3 في المئة بالنسبة الى الأفارقة. 4 في المئة بالنسبة الى المغاربيين. غير أن الطاقة الحربية الكولونيالية التي تمت تعبئتها في هذه الحرب كانت في غاية الأهمية، إذ قدّر عدد الجنود الذين كانوا في حالة تعبئة في بلدان ما كان يسمى بما وراء البحار بـ 200 000 جندي، ضمنهم 140000 من شمال إفريقيا. أما في "المتروبول" فمن بين 740000 مجند، تم توزيع 10000 من "الأهالي" بحسب أصولهم على الشكل الآتي: 33000 من أصل جزائري، 9400 من المغرب، 7000 تونسي، 24000 من إفريقيا الغربية، 6000 من إفريقيا الاستوائية، 14000 من أناميين (من وسط فيتنام)، و6300 من المالغاش. إلى هذه الأعداد تضاف نسبة لا يستهان بها من العمال. إذ باستمرار الحرب، سلك الاستعمار بمساعدة السلطات المحلية من قواد وباشاوات ورجالات السلطة أسلوبا جديدا ألا وهو التجنيد الإجباري للعمال لتقوية الجيش الفرنسي. لكن في إفريقيا تم استعمال العنف والإكراه للحصول على الحصص المطلوبة.




    بعد نهاية الحرب، أبانت الأرقام عن سياسة التجنيد الاستعمارية التي دفع بموجبها المغاربيون والأفارقة إلى المقصلة: فمن بين 175000 جزائري تم تجنيدهم من 1914 الى 1918، قتل 35000 وجرح 72000. ترك المغاربة الذين ناهز عددهم 40000 جندي خسائر بشرية قدرت بـ 12000 قتيل. من بين 80000 تونسي، فقد 21000. كانت خسارة المشاة المنحدرين من المستعمرات الفرنسية أكثر بكثير من خسارة الذين هم من أصل فرنسي.


    باسم نقاء الدم



    خلف احتكاك المجندين المغاربيين والأفارقة مع المواطنين الفرنسيين صدى طيباً، حيث اعترفوا لهم بالشجاعة والانضباط، والتفاني، من دون الحديث عن العلاقات الغرامية التي ربطت بعض الفرنسيات بهؤلاء المجندين، الشيء الذي لم تستحسنه السلطات التي دافعت عن عدم الاختلاط باسم "نقاء الدم". كان من نتائج فوز فرنسا في الحرب الأولى، احتلال منطقة الراين الألمانية على أيدي جنود سود عام 1919، وهي واقعة كان لها أثر صادم على المدنيين والعسكريين الألمان، الشيء الذي دفع بألمانيا إلى رفع شكوى لدى الهيئات الدولية ناعتةً فرنسا بأنها "عدو للحضارة". وقد أرخت الصحافة الألمانية في المناسبة العنان لتعليقاتها الحاقدة ضد ما سمته "لا إنسانية السلطات الفرنسية المحتلة وبخاصة وحشية جنود المستعمرات الذين يرهبون نساء الراين اللائي لا حول لهن أمام الهمجية الجنسية لهؤلاء الوحوش البشرية، هذه الذئاب السوداء، هذه الحيوانات البشرية: قردة القارة السوداء... الذين سيتولد عنهم "العار الأسود". تشير المؤلفة إلى أن هتلر استلهم هذه الواقعة لتأليف كتاب "كفاحي".



    عندما تأكد لفرنسا، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، ضعف إمكاناتها البشرية والعسكرية، سنّت سياسة تجنيد المزيد من الجنود في المستعمرات الفرنسية. هكذا جنّد 19362 شخصاً من الهند الصينية نقلوا إلى فرنسا على متن 14 باخرة. أما إفريقيا الشمالية فـ"تبرعت" على جبهات القتال بـ 15784 مغربياً و6222 جزائرياً. خلال العمليات التي دامت من آذار إلى حزيران 1940 شكلت سبع وحدات من بينها وحدة مغربية. في 10 أيار، شن الألمان هجوماً كاسحاً هزمت على إثره الجنود الفرنسيين. غادرت الحكومة باريس لتستقر في بوردو. في 17 حزيران، تقلد الماريشال بيتان مقاليد الحكم ليقبل بشروط الهدنة التي أملتها ألمانيا. رفض الجنرال ديغول الاعتراف بالهزيمة وذلك في نداء 18 حزيران الشهير. من مخلفات الهدنة التي قبل بها نظام فيشي، تفكيك الجيش مع تقليص عدده إلى 100000 جندي تنحصر مهمته في حماية الأمن الوطني. أما وحدات الجيش الوافدة من المستعمرات الفرنسية فقد أرسل البعض منها إلى بلدانها الأصلية. نتيجة الاحتلال الألماني، تحولت المستعمرات قطباً للتجاذب بين نظام فيشي وأنصار فرنسا الحرة.


    ما بين الموت والأسر



    في هذه المواجهات فقد أكثر من 14000 جندي من المشاة وجرح 42000، اما عدد الأسرى، الذين اعتقلوا لمدة خمس سنوات فبلغ1,8 مليون شخص (أرسل من بينهم إلى ألمانيا 1,5، فرّ أو حرّر 20000 وسجن في فرنسا 100000)، وهم في الغالب شباب، أو أرباب عائلات. ولأهداف دعائية، صوّر الألمان اللحظات الأولى لأسر "الأهالي". في هذا الاتجاه دعا وزير الدعاية الألمانية جوزف غوبلز الجنرال رومل للمشاركة في إنجاز فيلم حربي في عنوان "انتصار الغرب" حيث انتشل جنود سود من معسكر للاعتقال للقيام بدور المهزومين.



    بقي "الأهالي" من أسرى الحرب داخل فرنسا، لكن الغالبية نقلت إلى السجون الألمانية أو ما يسمّى بـStalags . تؤكد الشهادات النادرة لأسرى هذه المعتقلات، الوضعية الرديئة، وبخاصة التجويع الذي عاشه هؤلاء الأسرى.


    كما أن وجود هؤلاء الأسرى "الملونين" (أفارقة، مغاربيون، آسيويون)، ذكّر الألمان بالمهانة التي تلقّوها عام 1919 على أيدي المجندين المنحدرين من المستعمرات.


    تشير الباحثة إلى أن ما سمّاه الألمان "العار الأسود"، ترك آثاره على اللاوعي الجماعي للألمان. لذا رفضوا أن يطأ الأفارقة مجددا أرضهم مخافة تسرب "العدوى العرقية" والأمراض الاستوائية المعدية في أوساط المدنيين، الشيء الذي دفع بالسلطات الألمانية إلى ترحيل سجناء المستعمرات السابقة إلى فرنسا. عام 1941، أحصي 69053 أسيراً من المستعمرات السابقة، من بينهم 4397 من شمال إفريقيا، 15777 من السنغال، 3888 ملغاش، 2317 من الهند الصينية، 380 من المارتينيك، و2718 شخصاً من دون أصول! إلى سنة 1943 سيتبين أن أعداد الأسرى من الفرنسيين انخفضت فيما بقي عدد المغاربيين والأفارقة مرتفعا.


    الجوع والسل والطاعون



    تبقى شروط الحياة اليومية في هذه المعسكرات لاإنسانية حيث عرف فيها الأسرى الجوع، المرض، الوسخ، التعسفات. في ملف الشروط الصحية، يقف البحث عند المأساة اليومية للسجناء المنحدرين من المستعمرات الفرنسية لتشخيص أنواع الأمراض ونتائجها: في معسكر إيرفو، عرفت الظروف الصحية للأسرى العرب الذين كانوا يعانون سوء التغذية وداء السل، وضعها الخطير عام 1941. في سان ميدار أحصيت 3900 حالة إصابة بأمراض السل والتنفس. كما عثر على حالات من الزهري، السفلس والطاعون. توفي 94 جندياً وسجلت 60 حالة وفاة في الأسبوع. بلغ مجموع الوفيات في أوساط أسرى الحرب في 30 نيسان 1944، 18612 حالة توفي غالبهم بداء السل. غير أن هذا العدد الإجمالي لا يشمل أسرى شمال إفريقيا.



    تطوعت جمعيات عدة لمساعدة الأسرى والتخفيف من بؤسهم المادي والمعنوي. وكان لعالمة الإثنولوجيا والمقاومة جيرمان تيليون، دور كبير في مؤازرة الأسرى ورفع معنوياتهم بصفتها مراسلة أسرى. من بين الأشخاص الذين آزرتهم معنويا، المغربي عبدالله بن عبد السلام، الذي كان أسيرا في معتقل تول، أو السجين العربي. في رده على رسالة جيرمان تيليون كتب عبدالله بن عبد السلام: "الآنسة جيرمان تيليون: لا ازال في صحة جيدة. لم أتمكن من مراسلتك من قبل. لكنني أفكر فيك باستمرار، وقد أدخلت رسالتك على قلبي فرحة كبيرة. أرغب فعلا، إن لم يتسبب لك ذلك في أي إزعاج، أن تبعثي لي بالرزمة التي وعدتني بها، لأنني لم أتسلم بعد الكسكس. إن أمكنك أيضا فابعثي لي بجوارب، بشيء من التبغ، صابونة وبعض السكر. لكن لا تحرمي نفسك من هذه الأغراض، لأن ذلك سيؤلمني". تمتعت جيرمان تيليون في أوساط الكثير من الأسرى بشعبية كبيرة إلى درجة أن أحد الأسرى طلب الزواج بها!

    حكايات حب


    تآلفت حكايات حب حقيقية بين الأسرى ومراسلات الحرب، الشيء الذي أقلق سلطات الاستعمار الفرنسية لأن من شأن هذه الغراميات قلب العلاقات بين المستعمِر والمستعمَرين حيث يمنع أي تقارب عرقي بين الأجناس. بعدما تأكد لوزير العدل آنذاك، زواج العمال المنحدرين من المستعمرات بفرنسيات، أرسل إلى نواب الجمهورية مذكرة تشير إلى أن هذه العلاقات "تحط من مجد فرنسا في أوساط "الأهالي"، كما يجب عدم السماح لهؤلاء بالبقاء في فرنسا وذلك "على خلفية البطالة المتفشية". كما منعت فرنسا الاختلاط العرقي، مما يعني مراقبة صارمة للعلاقات التي يمكن أن تنشأ بين الفرنسيات والأسرى. لكن على الرغم من هذه القوانين الزجرية، تعلقت الكثير من الفرنسيات بالأسرى.



    في رسالة بعثتها الى جيرمان تيليون عام 1940، باحت سيلفيان بحبها لجندي مغربي، استقبلته رفقة جنود آخرين في بيتها. وعندما وقع أسيرا في لونغفي، بحثت عنه إلى درجة إصدار إعلانات في قسم المفقودين. طلبت مساعدة جيرمان تيليون للعثور على محبوبها! في حالات الاختلاط الجنسي بين الأسرى والفرنسيات، يؤدي الأطفال ثمن هذه العلاقة، إذ يلفظهم المجتمع في حالة ما إذا لم تلفظهم العائلة. ويصبحون مادة استهزاء ومزح عنصري. فالأطفال الذين يولدون نتيجة هذه العلاقة بين الأسرى والفرنسيات، يشوّشون على الاستراتيجيات العسكرية والسياسية التي تسعى إلى الحفاظ على علاقات الخضوع والتمايز بين الشعوب. فالأطفال بحصولهم على الجنسية، قد يحصلون على المساواة، وهذا ما لا تقبله الأجهزة الإدارية الاستعمارية. بانتهاء الحرب، فإن الأزواج المختلطين يطرحون مشكلة سياسية وسوسيولوجية تمر أساسا عبر التنديد بالتمييز، وهذا ما لم تكن فرنسا مستعدة لقبوله.



    منسيو المساواة


    بعد عرض فيلم "الأهالي" لرشيد بوشارب عام 2006، اكتشف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ومعه فرنسا، إنكار الجميل الذي طاول قدماء محاربي المستعمرات القديمة وبخاصة مستعمرات شمال إفريقيا. جمِّدت رواتبهم بحجة تخلّيهم عن الجنسية الفرنسية لصالح جنسية بلدانهم الأصل. إذ في أفضل الحالات يتقاضى "الأهالي" ربع ما يتقاضاه الفرنسيون، هذا الوضع ما هو إلا استمرار لممارسة تمييزية كان معمولا بها أيام الاستعمار. تنطبق هذه الوضعية على 80000 شخص. غير أن حماسة السياسيين والمجتمع، لم تغير شيئا من وضعية قدماء المحاربين.

  2. #2
    عضو مشارك الصورة الرمزية احمدوه
    تاريخ التسجيل
    19 - 8 - 2009
    المشاركات
    118
    معدل تقييم المستوى
    62

    رد: ضـــحـــــايـــا الــحــــــرب والــنـــســـيــان

    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ضـــحـــــايـــا الــحــــــرب والــنـــســـيــان

    شاكــرة تواجدكــ الادبي،،
    دمت بود،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •