صدور رواية : أقمار بغداديّة لنور الجندلي... عن دار الفكر - دمشق
من غريب ما حدث معي، أن فكرة كتابة الرواية قد انبثقت عبر تواصل إنسانيّ مع شخص مجهول أطلق على نفسه اسم العمريّ من أهل الموصل، راسلني يوماً طالباً من قلمي الذي لا يكلّ من التغزّل بمحاسن دمشق أن يكتب شيئاً عن الموصل، وهي حسناء أخرى منسيّة، غيبت حسنها ضراوة الحرب لكنها لم تستطع محوه أبداً، يومها سألته عن معاناة العراقيين إثر ويلات الحرب وانتكاساتها، ربما أوفق في الكتابة عن ذلك، فكان أن طلب أن أكتب عن الخسائر المعنوية والنفسية التي نجمت عن الحرب، قائلاً أنها أكبر بكثير من الخسائر الماديّة، حينها عزمت على إنجاز العمل، وبدأت البحث والقراءة...
وليس الحديثُ عن العراق في زماننا هذا سهلاً، فهو يحملُ في طيّاته مزيجاً من الحزن والألم، الصراع والتّحدي، النكبات والانتصارات. باختصار؛ هو مزيج من المشاعر المتناقضة، الحلوة المرّة، الذكريات والآمال...
منذ اليوم الأولِ لسقوط بغداد، أضمرتُ أن أكتب عنها ما يليقُ بها، سيدة للحضارات وموطناً للعلم والعلماء، وصرحاً من صروح النهضة على مرّ العصور.
كان صعباً عليّ كوني امرأة عربية مسلمة، مُثقلة بالعشق لبغداد وللعراق ككل، أن أصوغ حكايتها عبر كلمات على الورق، فحجمُ المأساة لا يمكن أن تعبّر عنه الحروف، مهما انبعثت صادقة قوية... لكنني أضمرتُ أن تكون حروفي رسالة حبّ وعزاء، ومصافحة ودّ ومساندة، للشعب العراقي الكريم...
في البداية رغبتُ أن أتجوّل بقلمي في الشّوارع البغدادية، ألقي الضوء على ما يجري هناك... لكن ما يحدث سمّر القلم في مكانه، لم أستطع عبور الشوارع الملأى بالأشلاء، ولا السّير على رمالٍ قد سُقيت بدماء الأبرياء، وما تجلد قلبي ليسمع أنين الثكالى والأطفال، لقد جبنتُ حقاً عن تصوير الواقع المؤلم، لكن التجوال هناك أمدني بحبائل من الأمل، وشعاع من الإيمان، ودفعني لأن أسرد المعاناة من جانبٍ آخر، فآثرتُ الانسحاب إلى حبيبتي دمشق، لأكتب في أحضانها ما أحب، وأوصل رسالتي كما يجب...
أعترف؛ لقد اعترتني لحظات ضعف فكرتُ فيها بالعدول عن الكتابة، فقد أشبعت القلوب بعواصف الألم، ولكن رسائل داعمة، كانت تأتيني تطلبُ المواصلة، وأكثر ما لفت انتباهي طلبهم أن ألقي الضوء على الآثار النفسية التي خلفتها الحرب في قلوب العراقيين... فعدتُ وتحاملتُ على نفسي، وتوكأتُ على قلمي، ومن أجلهم... من أجل أقمار بغداد كتبت...
والغريب في الأمر أن يقدّم للرواية عمريّ آخر، غنيّ عن التعريف، قد ملأ قلمه الدنيا وشغل الناس، شغلهم بفكر إيجابي نقي، ودعوة لتصحيح المسار، عمريّ كتب عن بغداد فأبكى العيون وحرك المواجع، ورسم في الوقت ذاته طريق الأمل بكثير من عزّة نفس وكبرياء، ولا أدري لم قد ساق الله تعالى لي العمريين ليكتمل معهما مسار الرواية...
على أيّ حال... لقد كان ما كتبته في الرواية اعتذارا ضمنيا عن تقصير شخصي في حق العراق، وهي التي تستحق الكثير، وهي أيضاً اعتذار بلسان أمة بأسرها شُغلت عن تلمس أوجاع جزء لا يتجزأ منها، أوجاع العراق وأهلها التي ستبقى دائماً وسيبقون... ملء العين والقلب.
أرجو أن أكون قد وُفّقت، وإن قصّرت فلعل طيب النوايا يشفع عند الكرام...
-
الرواية متوفرة حاليا في معرض كتاب دمشق






رد مع اقتباس


